نشرت جريدة الاتحاد في عمود "عليه العوض" رسالة يقول كاتب العمود إنه تلقاها من مجموعة من الطلبة الدارسين في أميركا على حساب جهة لم تحددها الرسالة. نشرت الرسالة بتاريخ 24 فبراير 2004، ويقول باعثوها إنهم في السنة الأخيرة بقسم الهندسة الكيمائية، وإنه لم يتبق على تخرجهم سوى بضعة أشهر وإنه تمت مفاجأتهم بقرار إلغاء بعثاتهم. وقبل أن أعلق على طبيعة الشكوى دعوني أشير إلى أن ما ورد في الرسالة يشوبه الغموض ويطرح تساؤلات كثيرة، فهل يعقل أن تقوم جهة باعثة بإلغاء بعثات طلبة مجتهدين وعلى وشك التخرج؟ وما هو مستوى الجامعات التي يدرسون فيها؟ وكم من الوقت أمضوه حتى الآن في الدراسة الفعلية؟ ومن هي الجهة صاحبة القرار التي ألغت البعثات وعلى ماذا استندت لو كان الأمر صحيحاً من أساسه؟ وهل يمكن أن يمتنع مسؤول عن التحدث إلى مواطن صاحب شكوى أو تظلم في بلد تحرص فيه القيادة على حل مشاكل جميع المواطنين ومساعدتهم ما أمكن ذلك؟
إن من يقرأ الرسالة يفهم من الوهلة الأولى أنه يوجد خلل ما في مسيرة كاتبيها الدراسية أدى إلى إلغاء بعثاتهم، ولكن نظراً إلى عدم معرفتنا بمن هم أولئك الطلبة لا نستطيع التعليق على حالاتهم لإيضاح أسباب ما حدث لهم. إن المهم في هذا المقام هو التوضيح بأن إلغاء بعثات الطلبة الذين تبتعثهم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى أميركا لا يتم مطلقاً بالشكل العشوائي الذي وصفه الطلبة المفصولون أولئك. إن عملية إلغاء البعثات لدى الوزارة عملية تمر بمراحل عدة قبل أن يصدر فيها قرار وتصبح نافذة وفقاً للقوانين الاتحادية التي تنظم ذلك.
وبالنسبة لبرنامج البعثات الذي تنفذه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أميركا لابد من التوضيح بأن إلغاء بعثة الطالب الذي يتعثر في دراسته تمر في عملية منهجية منظمة ذات أبعاد ثلاثة هي الجامعة التي يدرس فيها الطالب والملحقية الثقافية في واشنطن العاصمة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تتواجد فيها لجنة متخصصة لشؤون البعثات.
وما يحدث هو أن الملحقية الثقافية في واشنطن تتابع مسيرة الطالب الدراسية والسلوكية عن كثب من خلال مرشدين أكاديميين أكفاء متخصصين في شؤون التعليم يرأسهم مدير للشؤون الأكاديمية ذو معرفة تامة بنظام التعليم العالي الأميركي· هؤلاء المرشدون ومساعدوهم يقومون بالإشراف على الطلبة من خلال الاتصال المباشر بنظرائهم في الجامعات التي يدرس فيها طلبتهم، ومع مسؤولي شؤون الطلبة الأجانب، وإن تطلب الأمر مع الأقسام العلمية التي يدرس فيها الطلبة.
ومنذ اليوم الأول الذي يبدأ فيه طلبتنا في التسجيل في الجامعات يكون المرشد الأكاديمي على علم تام بما يقوم الطالب بالتسجيل فيه من مواد، وذلك منذ أن يبدأ في برنامج اللغة إلى اليوم الذي يتخرج فيه. ويكون المرشدون لدى الملحقية على اتصال مستمر مع الطالب ومرشده الأكاديمي في الجامعة للتدخل في الوقت المناسب إذا ما أحسوا بوجود خلل ما لدى الطالب، ويقومون بتوجيهه وتوفير المشورة له لكي يتداركوا ما يمكن تداركه ويبعدوا الطالب عن الطريق التي قد توصله إلى الفشل.
وبهذه الطريقة تبقى العملية مستمرة ويتخرج معظم من تبتعثهم الوزارة. ولكن يحدث في بعض الحالات أن يبتعد الطلبة عما يقوم مرشدوهم سواء في الجامعة أو الملحقية بتقديمه لهم من المشورة ظناً منهم بأنهم أكثر قدرة على فهم الأمور. في مثل هذه الحالات يقع بعض الطلبة في مشاكل دراسية، ولكن الملحقية لا تقوم باقتراح فصلهم حتى تستنفد جميع محاولات إصلاحهم وهي طويلة ومتشعبة وتتخللها مسائل تعليمية فنية. عندئذ ترفع قائمة بأسماء الطلبة الذين لم يحالفهم الحظ إلى المسؤولين في الوزارة. وعادة ما يكون أولئك الطلبة قد أمضوا مدة طويلة في دراستهم تصل في بعض الحالات إلى ست سنوات. وتكون الملحقية قد درست احتمالات نجاحهم الدراسي المستقبلية وتوصلت إلى قناعة تامة من خلال التشاور مع الجامعات التي يدرسون فيها بأنه لا طائل من بقائهم على مقاعد الدراسة.
وعادة ما يُخضع المسؤولون في الوزارة تلك الأسماء لدراسة مستفيضة أخرى يقررون من خلالها إلغاء بعثة الطالب من عدمه. وإذا ما تم التأكد التام من أن الطلبة المعنيون لا أمل لهم في إنهاء دراستهم يتم إرجاعهم إلى الدولة وفتح المجال أمام طلبة غيرهم يكونون أكثر قدرة على التحصيل العلمي والنجاح. فالمال العام الذي يصرف على طلبة فاشلين من الأجدى أن يتم توفيره وصرفه على من يستطيع تحقيق النجاح.
وفق الله جميع طلبتنا الدارسين في الخارج إلى ما يحبه ويرضاه.