بعد حوالي أسبوعين من بداية المجزرة الإسرائيلية في غزة نجح مجلس الأمن في إصدار القرار1860 بدعم من كافة أعضائه عدا الولايات المتحدة التي امتنعت عن التصويت. دعا القرار إلى "وقف فوري ودائم لإطلاق النار"... "يفضي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة"، وطالب بـ"تقديم المساعدة الإنسانية بما فيها الغذاء والوقود والعلاج وتوزيعها من دون عراقيل في جميع أنحاء غزة"، و"رحب بالمبادرات الرامية إلى إيجاد ممرات إنسانية وفتحها، وغير ذلك من الآليات الرامية إلى توصيل المعونة الإنسانية على نحو مستمر"، وطلب من الدول الأعضاء "دعم الجهود الدولية الرامية إلى التخفيف من حدة الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة من خلال تقديم التبرعات الإضافية اللازمة على وجه الاستعجال إلى أونروا"، ودان "جميع أشكال العنف والعمليات الحربية الموجهة ضد المدنيين، وجميع أعمال الإرهاب"، داعياً الدول الأعضاء "لتوفير الترتيبات والضمانات اللازمة في غزة... من أجل منع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخيرة، وضمان إعادة فتح المعابر بصفة مستمرة على أساس اتفاق التنقل والعبور المبرم في العام2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل"، وهذا بالإضافة إلى تشجيع التوصل لمصالحة بين الفلسطينيين، والحض على إحلال سلام شامل. لا شك أن المجموعة العربية تستطيع النظر إلى هذا القرار باعتباره نجاحاً أو إنجازاً دبلوماسياً لها، فهي التي دعت إلى انعقاد مجلس الأمن على هذا المستوى، وأصرت على ضرورة إصداره قراراً، ونجحت في ألا يكون منطوق القرار بالغ الانحياز، كأن يتضمن إدانة لرفض "حماس" تجديد التزامها بالتهدئة أو إطلاقها صواريخ على إسرائيل، ويتهمها من ثم بأنها المتسببة في العدوان، أو ينص على وضع قوات دولية لمراقبة الحدود بين مصر وقطاع غزة من الواضح أنها كانت ستنتشر في الأراضي المصرية والفلسطينية، ولاشك أن هذا النجاح أو الإنجاز يمكن أن ينسب إلى درجة ما من درجات الصلابة الدبلوماسية في إطار فهم حدود قدرة مجلس الأمن على تبني مواقف بعينها، وإلى صمود المقاومة الفلسطينية في غزة طيلة أسبوعين من المجازر الإسرائيلية الوحشية، وإلى ردود فعل شعبية عربية قوية لابد أنها أقلقت كل أصحاب المصلحة في الحفاظ على الأوضاع العربية الراهنة داخل الوطن العربي وخارجه، وإلى ضغوط قوى دولية لاشك أن وحشية المجازر قد وضعتها في مأزق إنساني وسياسي، خاصة عندما أدت هذه الوحشية إلى تحركات شعبية يعتد بها على الصعيد الدولي فاق بعضها على الأقل التوقعات. غير أن هذا كله ينبغي ألا يحرفنا عن رؤية الصورة من جانبها الآخر المظلم، وأول ملامح هذا الجانب هو الوقت الذي انقضى حتى صدر القرار، ففي ظل وجود آلة قتل إجرامية كإسرائيل لا تفهم إلا منطق القوة، وتتبنى عديداً من المفاهيم الاستعمارية العنصرية المغلوطة شديدة الخطورة يكفي أسبوعان -وهما المدة المنصرمة بين بدء المجزرة وصدور قرار مجلس الأمن- لإعمال القتل والتدمير ليس بين صفوف "حماس" فحسب كما تدعي إسرائيل وإنما في كل أرجاء قطاع غزة على النحو الذي شاهدناه بأعيننا بما يناقض الأكاذيب الإسرائيلية الفجة عن استهداف "حماس" وليس المدنيين في غزة، وعن أن السبب في سقوط مدنيين هو احتماء "حماس" بهم أو اتخاذهم دروعاً بشرية لها. من ناحية ثانية صحيح أن القرار لم يجرؤ على الاكتفاء بإدانة المقاومة الفلسطينية وحدها غير أن المساواة بين الجاني والضحية تمثل خللاً بنيوياً صارخاً في صياغته ينطوي على ظلم فادح، وما دام القرار مليئاً بالصياغات العامة فقد كان ممكناً إضافة عبارة عن إدانة -أو حتى القلق من- الاستخدام المفرط للقوة. كذلك فإن معالجة القرار للوضع الإنساني في غزة رتبت على أساس مؤقت، وليس من منطلق رفع الحصار عن القطاع، فقد تحدث القرار عن تقديم المساعدة الإنسانية، وإيجاد ممرات إنسانية وفتحها لهذا الغرض، وتقديم التبرعات الإضافية لـ"الأونروا". لكن هذا كله شيء ورفع الحصار عن غزة الذي لم يرد بشأنه حرف واحد في القرار شيء آخر، فقد تحدث القرار عن "فتح المعابر بصفة مستمرة" بعد "توفير الترتيبات والضمانات اللازمة في غزة من أجل منع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخيرة". أي أن فتح المعابر يبقى مسألة أمنية تراعي متطلبات بقاء الاحتلال وليس مقاومته بطبيعة الحال بعيداً عن أن تكون له -أي لفتح المعابر- دلالة إنسانية أو سياسية ترتبط برفع الحصار عن غزة، وعموماً فقد أعاد قرار مجلس الأمن المسألة برمتها إلى المربع رقم واحد حينما ربط فتح المعابر باتفاق2005. أي أنه من السهولة بمكان أن تبقى المعابر مغلقة طالما بقي الخلاف الفلسطيني- الفلسطيني، والغياب الأوروبي، وهما أمران ينسفان أصلاً أية إمكانية لفتح معبر رفح على سبيل المثال على أساس مستمر. أما انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع فقد ربط على نحو غامض بالوقف الدائم لإطلاق النار وهو ما يفتح الباب لمماطلة إسرائيلية بلا حدود إن مكنتها الظروف من ذلك. وأخيراً وليس آخراً فإن إسرائيل قد رفضت تنفيذ القرار على أساس أن اعتبارات أمنها وليس القرارات الدولية -وفقاً لتصريحات كبار مسؤوليها- هي التي تملي عليها سلوكها، ويعني هذا أن أي حديث عن جوانب إيجابية في القرار1860 لا طائل وراءه، لأن القرار لن يجد طريقه إلى أرض الواقع إلا إذا أجبرت إسرائيل على الالتزام به: إما من المجتمع الدولي، وهذا من رابع المستحيلات، وإما تحت وطأة خسائرها في ميدان القتال، كما كان الحال في اضطرارها لقبول القرار1701 في أعقاب عدوانها على لبنان في2006، وهو ما يبدو أنه لم يحدث من وجهة نظرها حتى الآن في غزة، بمعنى أن ثقة قادتها ما زالت قائمة في إمكان تحقيق أهداف عدوانها على غزة بتكلفة معقولة، وهو ما يحمل المقاومة الفلسطينية وحدها مسؤولية الدفاع عن الشعب الفلسطيني في غزة، وإجبار إسرائيل على وقف عدوانها. ويعني ما سبق أن العمل الدبلوماسي العربي الجماعي الذي بدأ في أعقاب اجتماع مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري في اليوم الخامس للعدوان قد عاد إلى نقطة البداية، والحق أن هذا الأمر كان متوقعاً، بل إن البعض لم يتصور أصلاً إمكان صدور قرار عن مجلس الأمن، فالمجلس لا يمكنه أن ينحاز مع الحق ضد إسرائيل بالنظر إلى التأييد الأميركي المطلق لها، وقراراته إن صدرت لا يمكن أن تفرض عليها للسبب نفسه، وليس ببعيد قراره رقم1405 الصادر في 19/4/2002 الذي رحب بمبادرة الأمين العام إلى استقاء معلومات دقيقة بشأن الأحداث الأخيرة في مخيم جنين للاجئين عن طريق فريق لتقصي الحقائق طالباً من الأمين العام أن يبقي المجلس على علم بذلك، وهو القرار الذي أهالت عليه إسرائيل التراب ببساطة مفرطة. والخلاصة أن الدبلوماسية العربية مضطرة للتفتيش عن بدائل جديدة للحركة، أو الاختيار من بين بدائل متاحة أمامها منذ اللحظات الأولى للعدوان، غير أنها تفادت اللجوء إليها حتى الآن. صحيح أنها يمكن أن تمضي أسبوعاً آخر أو أسبوعين منهمكة في تفاصيل "السعي" لوضع القرار موضع التطبيق، لكن لحظة الحقيقة سوف تجيء عاجلاً أم آجلاً، وقد تحقق إسرائيل في عدوانها الراهن نصراً تكتيكياً مؤقتاً فتكتب بذلك شهادة عجز جديدة للنظام العربي.