على رغم كلمة مستقبل التي يتضمنها العنوان، فإن سبعة من الفصول الثمانية التي يتضمنها الكتاب الذي نقوم بعرضه في هذه المساحة وعنوانه: مستقبل العراق: ديكتاتورية أم ديمقراطية، أم تقسيم، تتناول الماضي. هل هناك تناقض في ذلك؟.لا ليس هناك تناقض، لأننا لن نستطيع التنبؤ بمستقبل هذا البلد، دون الرجوع إلى ماضيه. هذا على وجه التحديد هو ما قام به المؤلفان: ليام أندرسون الأستاذ المساعد للعلوم السياسية بجامعة رايت ستيت، وجاريث ستانسفيلد، الزميل بالمعهد الملكي للشؤون الدولية ببريطانيا، اللذان قاما بالعودة إلى ذلك الماضي، وحشدا كتابهما بكم كبير من المعلومات والحقائق التاريخية. وعلى رغم أنه بإمكاننا العثور على الكثير من تلك المعلومات في كتب أخرى تناولت تاريخ هذه الدولة، إلا أن ميزة هذا الكتاب هي أنه يقوم بتجميع كم هائل من المعلومات في مجلد واحد يوفر علينا عناء الرجوع إلى العديد من المراجع التاريخية .
من جانب آخر، هناك نقطة نحسبها لصالح المؤلفين وهي أنهما قد تناولا الأحداث التاريخية العراقية من منظور جديد، استقياه من ملاحظتهما الدقيقة للواقع العراقي الراهن، وما كشف عنه من حقائق كفيلة بدفع الكثير من المؤلفين والمراقبين للشأن العراقي إلى قراءة تاريخه من جديد. في هذا الإطار يرى المؤلفان أن نظام صدام حسين، رغم كونه نظاما شريرا لا يمكن تبرير الكثير من الفظائع التي قام بارتكابها، إلا أنه كان في الجوهر ثمرة طبيعية للفترة التاريخية السابقة على توليه سدة السلطة في العراق. يرى المؤلفان أيضا، أن البريطانيين الذين سيطروا على هذا البلد العربي المهم عقب سقوط دولة الخلافة العثمانية، كانوا هم السبب الذي جعل منه بلدا عصيا على السيطرة، ولا يمكن حكمة سوى عن طريق العنف والبطش، وذلك من خلال قيامهم باتخاذ قرارين، كانوا يعرفون مسبقا ما سيؤديان إليه في المستقبل هما: ضم ولاية الموصل الكردية إلى ولايتي بغداد والبصرة العربيتين، الأمر الذي أدى – كما يقول المؤلفان- إلى زرع بذور الانفصال في نسيج هذه الدولة منذ بداية نشأتها. أما القرار الثاني فهو محاباة الأقلية من المسلمين السنة على حساب المسلمين الشيعة الأكثر عددا، الأمر الذي أدى بدوره إلى زرع بذور الضغينة والحقد بين هاتين الطائفتين. وفي الفصل الأخير من الكتاب يقوم المؤلفان بعرض الخيارات الأربعة المطروحة أمام الولايات المتحدة في الوقت الحالي، والتي يقومان بتقديمها في صورة تشبه الإيجاز السياسي.. أي من خلال طرح مزايا وعيوب كل خيار منها. وبعد أن يقوم المؤلفان بذلك، ومناقشة كل خيار على حدة، فإنهما يقومان بطرح وجهة نظرهما الخاصة التي تذهب إلى القول إن أي احتلال قصير الأمد للعراق سوف يؤدي إلى تفتته وسقوطه في دائرة شريرة من العنف الدامي.. وإن أي احتلال طويل الأمد سوف ينتج عنه تكبد القوات الأميركية لخسائر لن تكون مستساغة أو مقبولة من قبل غالبية أفراد الشعب الأميركي. ويتوصل المؤلفان في النهاية إلى خلاصة مؤداها أن تقسيم العراق إما إلى دولتين أو ثلاث دول هو أفضل من أي خيار من الخيارات المطروحة الآن على طاولة النقاش، وأن إقامة ديمقراطية تضم ثلاث مجموعات عرقية متنافسة أمر يكاد يقع ضمن دائرة المستحيل، وأن ذلك البلد قد بقي موحدا في الماضي بسبب سياسة القبضة الحديدية للشرطة السرية التابعة لنظام صدام حسين، وهي سياسة لا يفترض بالطبع أن يلجأ إليها أي نظام ديمقراطي يقام في هذا البلد. وعلى رغم أن التقسيم هو أحد البدائل المتاحة، فإنه من غير المرجح تقريبا- كما يذهب المؤلفان - أن تقوم سلطة الائتلاف المؤقتة بالتفكير فيه، بسبب خوف تلك السلطة من إشعال نار حريق، قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها، ويؤدي بالتالي إلى التأثير سلبا على المصالح الأميركية فيها. ويحاول المؤلفان التدليل على صحة ما يذهبان إليه من أن التقسيم قد يكون هو النتيجة التي سينتهي إليها الوضع الحالي في العراق، من خلال القول إن العراق في الأساس دولة مصطنعة، وإنه لم يكن قائماً على النحو الذي هو عليه الآن قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية، وإن شعبه لم يشترك أبدا في هوية مشتركة، كما أن ميراث حكمه الاستبدادي، وسيادة العنف السياسي فيه، قد أديا إلى تآكل الروابط الراسخة التي كانت تربط قبائله وطوائفه، والتي كان يمكن أن تحرث تلك الأرض وتمهدها لزرع الديمقراطية في ربوعه.
الكتاب يعتبر مفيدا بشكل خاص بالنسبة للمدنيين الذين يفكرون في التوجه إلى العراق للاستفادة من الأوضاع والفرص المتاحة فيه في الوقت الراهن، أو لأجراء دراسة متعمقة لواقعه بغرض الاستفادة من فرص مستقبلية. كما أنه مفيد أيضا للقارئ العادي الذي يحاول أن تكون له رؤية واضحة لما يحدث في ذلك البلد. ومما لا شك فيه أنه كان سيكون مفيدا أيضا لجورج بوش، لو افترضنا أنه كان قد صدر قبل أن يقوم بشن حربه على العراق في شهر مارس 2003 بعد أن أقنعه وولفوفيتز وغيره بأن تلك الحرب ستكون بمثابة نزهة، وأن غزو هذا البلد وإخضاعه لن يحتاج سوى