بغض النظر عن عدد السنوات التي مضت من عمره المديد، تجد أمامك إنسانا مضيئا. وإذا كانت الجينات فيما أعتقد قد جعلت منه ذلك الإنسان/الإنسان، فإن مسيحيته دون أدنى شك لعبت دورها الفاعل في تعميق إنسانيته اللامتناهية الأفق. والإضاءة عنده تنبع من جوانيّة نفسه الخيرة، مثلما هي تأتي من نهجه في الاتصال الدائم مع الله والبشر. رقيق وقاطع كما هي الشفرة! فهو رقيق القلب لكنه شجاع في المواقف، وهو رقيق النبرة لكنه حاسم في التعبير عن تبنيه للمبادئ، وبذلك يتساوى "بنو آدم" في قلبه وعقله وممارساته، فلا مكان - لا مكان مهما ضاق- عنده للرق أو للرقيق!
تجعله مسيحيته المعتقة محبّا لكل الأديان والمنظومات الفلسفية الخلقية الراقية. ينافح مع الفلسطينيين منذ (56) عاما لأن قضيتهم عادلة ولأنهم تعرضوا لظلم صهيوني فادح ومظلم. ومع ذلك، فإن ميشال إده يربأ بميشال إده عن كره اليهود، بل هو يحبهم، ويخشى عليهم من الصهيونية ذاتها التي آذت - حتى القتل الجماعي- جموع الفلسطينيين وغيرهم من العرب. هو ماروني محب، بل عاشق لمارونيته حتى النخاع! وفي جميع ظروف الزمان، وكل ظروف المكان، تذوب مارونيته في حب الإنسان كائنا ما يكون معتقده الديني أو المذهبي. ومع أن مارونيته جبلية سامقة فإنها ترتع أيضا في السهول والسهوب. ولأن ميشال إده هو ما هو عليه، استطاع كسب قلوب الكثيرين فانتخبوه رئيسا للرابطة المارونية!
وفيما حدثني عنه الأستاذ إده، يبلغ عدد الموارنة في لبنان حوالي 900 ألف نسمة. غير أن كثيرين لا يعرفون أن 7-9 أضعاف (وأكرر: أضعاف) هذا العدد أي ما يتراوح بين (6 – 8) ملايين ماروني يعيشون في المهجر! والأخ ميشال في حركة دائبة للتجسير بين هؤلاء ولبنان: قضية وشعبا وبلدا ودولة. ومع أن لـ"رئيس الرابطة" المارونية مواقف كفيلة بتعبئة قطاعات ليست بسيطة في أوساط الموارنة (في الداخل والخارج) لصالح مواقفه الثابتة، فإن هذه المواقف ذاتها تؤلب قطاعات أخرى ضده. ووسط هذا اللجاج، فإنه –بما في شخصيته من دفء وتوازن، وبما في منطقه من قدرة على الإقناع، وبما في صدره من طاقة على الاستيعاب، نجح -أيما نجاح- في كسب ثقتهم وبالتالي كسب أصواتهم… فانتخبوه! بل إن شعبيته "العابرة للطوائف" كانت وراء انتخابه رئيسا "لاتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية"!
كلما رأيت الأستاذ إدة وتحدثنا، أجدني أعود معه بالذاكرة إلى ذلك الجيل الرائد من قادة النهضة العربية في القرن التاسع عشر. والثابت أن من أظهر البارزين في ذلك الجيل كوكبة من الموارنة الأقحاح الذين شكلوا "الدورية المتقدمة" للفكرة العربية: لغة، ثقافةً، انتماءً، وتياراً سياسياً عصرياً. والأستاذ إده يجعلك ترى فيه ذلك الامتداد بين تلك الجذور الرائدة الراسخة في قرن تاسع عشر في ألفية منصرمة وصولا إلى قرن حالي بل قادم في ألفية راهنة. وهي مناسبة لنقول لكل من يتحدث منا عن أخطاء وخطايا ارتكبها قادة وسياسيون وكوادر ونشطاء مارونيون أن يتقى الله (ومصلحة الشعب الصغير والأمة الشاملة) فيما يقول وبالتالي يتحدث عن أخطاء وخطايا ارتكبها قادة وسياسيون وكوادر ونشطاء عرب مسلمون (ومن ضمنهم فلسطينيون ولبنانيون).
يتأتى الإعجاب الذي يغمر عرباً كثيرين، سواءً في نظراتهم أو في مواقفهم، تجاه الأستاذ إده ومبادئه ومواقفه من مشاهدتهم له، يصول ويجول، على شاشات أكثر من محطة تلفاز محلية لبنانية أو على شاشات أكثر من فضائية عربية. يشاهدونه وهو يقدم مرافعات وطنية وقومية وتقدمية تجعله يحلّق "خارج" نطاق قالب الآراء المسبقة (ستيريو تايب) الجاهزة عن وزير وشخصية مارونية بارزة! وإن كنت –شخصيا- قد بدأت مع هؤلاء المعجبين من "البداية" ذاتها، فإن لديّ من الأسباب الإضافية ما يجعلني أحبه وأحترمه أكثر بعد أن عرفته عن قرب ثم عن كثب. فهو رجل له لسان دافئ تجاه جميع عباد الله! وله موقف وخطاب سياسي واحد سواء عبّر عنه في السر أو في العلن! وإن كنت قد أحببته بسبب ما سبق ذكره أعلاه، فقد أحببته أكثر حين فتح "بيت العزاء" في بيته في لبنان يوم رحل الحبيب فيصل الحسيني. ثم حين تيقنت (بطرق غير مباشرة) من كرمه الشخصي والعام، وعلمت عن تبرعاته على دروب الخير. ولقد جاء تيقني هذا على نحو غير مباشر ذلك أن ميشال إده لا يتحدث عن تبرعاته أو يشهرها إذ هو دوما يفضل صيغة "متبرع كريم"!
ارتبط تخرج ميشال إده من "الكلية الفرنسية للحقوق في بيروت" بقضية فلسطين حيث كان تخرجه عام "النكبة" 1948. ومنذ عام 1966، تقلد أكثر من وزارة كانت أشهرها وزارات الإعلام والثقافة والتعليم العالي بدءاً بحكومة الرئيس رشيد كرامي، مرورا بحكومة الرئيس شفيق الوزان، وانتهاء بالحكومتين الثانية والثالثة للرئيس رفيق الحريري حتى عام 1998. وأنه المثقف البارز والإعلامي المفوه، فإنه - ضمن مناصب متعددة أخرى- يرأس صحيفة "الأوريان لوجور" الصادرة باللغة الفرنسية، ويتولى كذلك منصب نائب رئيس جامعة القديس يوسف اليسوعية. وفي كل مواقعه العليا هذه لم يعرف عنه يوما ابتعاده عن الناس العاديين،