لم يرق التحرك التركي للمساهمة في جهود وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لبعض العرب. تراوحت مواقف المعترضين بين توجس وتحفظ وعدم ارتياح، ولكنها لم تصل إلى حد الرفض القاطع. كما تنوعت الأسباب التي استندوا اليها. غير أن من بينها سبباً ينطلق من هاجس قومي، ولكنه يثير في الواقع هواجس شتى على أكثر من مستوى. ومن الذين عبروا عن هذا الموقف الكاتب والسياسي الفلسطيني الأستاذ بلال الحسن، خلال حوار كان كاتب السطور هو الطرف الآخر فيه، على إحدى القنوات الفضائية العربية في الأسبوع الماضي. اعترض الحسن على التحرك التركي من زاوية أنه يتضمن السعي إلى مصالحة عربية. وصاغ اعتراضه صياغة بليغة بقوله إن المصالحة العربية تكون أسهل باللغة العربية منها باللغة التركية. وكان رأي كاتب السطور، في ذلك الحوار، هو أن المسألة ليست في اللغة، وإنما في المدى البعيد الذي بلغه الانقسام بين من يُعتبرون متشددين أو راديكاليين ، ومن يوصفون بأنهم معتدلون. فقد وصل هذا الانقسام إلى ذروة جديدة، بعد أن بدا أن الذروة التي بلغها إبان الحرب على لبنان في صيف 2006 هي الأعلى. فعندما تحول الصراع الفلسطيني الداخلي إلى انقسام سياسي حاد بين حركتي "حماس" و"فتح"، وانفصال جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، بعد عام تقريباً على تلك الحرب، ظهر واضحاً خطر ربطه بالانقسام العربي. ولم تحل مكانة قضية فلسطين لدى العرب جميعهم في تجنب هذا الربط الذي يؤدي تكريسه إلى تفريغها من طابعها الوطني التحرري وإنزالها من موقعها المميز بين قضايا الأمة، والذي أجاز اعتبارها لفترة طويلة "قضية العرب المركزية". وهكذا أصبح الصراع بين "حماس" و"فتح"، وبين سلطتي غزة ورام الله، جزءاً من الانقسام العربي العام. وجاء العدوان على قطاع غزة اختباراً أولاً، ولكنه بالغ الدلالة لأثر هذا الانقسام على مستقبل قضية فلسطين. وأظهرت النتائج الأولية لهذا الاختبار أن الانقسام العربي لن يترك فرقا بين أزمة لبنان التي تمثل حلقة من حلقات صراع تاريخي في هذا البلد منذ نشأته، وقضية فلسطين التي لم يتوافق العرب على شيء مثلما توافقوا عليها لعدة عقود. ولا يعني ذلك أنهم لم يختلفوا أبداً عليها. فما أكثر الخلافات التي حدثت بينهم دولًا وشعوباً وجماعات ومنظمات سياسية. غير أنه لم يحدث من قبل أن هدد خلاف، أو حتى انقسام عربي كبير، بتقويض قضية فلسطين. فهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، عبر ترسيخ الانفصال بين قطاع غزة والضفة الغربية. فلا معنى، ولا نتيجة، لتحول هذا الانفصال إلى جزء من الانقسام العربي العام إلا تلاشي القضية التي كانت هي المحور الرئيسي للعمل العربي المشترك لفترة طويلة. وفي مثل هذا الظرف العصيب، يصبح التحفظ على دور غير عربي يسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه ترفاً ما بعده ترف. فالارتباط الذي صار إليه الانقسامان الفلسطيني والعربي يجعل المصالحة بين "حماس" و"فتح" متوقفة على وضع حد للفجوة التي توسعت بشدة بين سوريا ودول عربية أخرى، بأمل أن تستطيع دمشق في هذه الحالة التأثير على السياسة الإيرانية، أو أن تقوم تركيا أيضاً بتحرك آخر بين طهران والقاهرة. وإيران جزء لا يتجزأ من أزمة الانقسام العربي الذي هو إقليمي في الواقع لحضورها الكثيف في تفاعلاته ودورها الكبير في تشجيعه. ولذلك يثير الاستغراب هذا الاعتراض على دور "منقذ" في لحظة يلوح فيها شبح الغرق لمجرد أن القائم به ليس عربياً. فالانقسام، الذي بلغ مبلغا أحدث شللاً غير مسبوق في حركة الدول العربية إزاء عدوان إسرائيلي لا سابق له أيضاً في همجيته، ينطوي على فاعل رئيسي غير عربي. فكيف نجد انغماس طهران باللغة الفارسية في التفاعلات المؤدية إلى تعميق الانقسام العربي– الإقليمي أمراً عادياً، فيما نرى تحرك أنقرة باللغة التركية لمحاولة وضع حد لهذا الانقسام أمراً غير طبيعي يثير القلق والتوجس والاعتراض؟! والحال أن دور تركيا اليوم هو أقل مما ينبغي لدولة كبيرة في المنطقة أن تقوم به سعياً إلى ترشيد التفاعلات الإقليمية، وذلك لأسباب ثلاثة على الأقل. أولها أنها تحتفظ بعلاقات قوية مع كل من طرفي الانقسام الفلسطيني، ومع كل من طرفي الحرب على قطاع غزة. ولذلك اشتدت الحاجة إلى دورها عندما قُطع الجسر الذي كان ممدوداً بين مصر وحركة "حماس" بعد رفض الثانية المشاركة في الحوار الوطني الذي سعت القاهرة إلى تنظيمه، ثم امتناعها عن تجديد التهدئة مع إسرائيل عقب انتهاء فترتها التي كانت محددة بستة شهور، وصولاً إلى الملابسات التي أحاطت العدوان الإسرائيلي وأدت إلى تعميق سوء الفهم بينهما. وليست مصادفة أن التحرك التركي حدث بتنسيق كامل مع مصر، التي زار وزير خارجيتها أنقرة الأسبوع الماضي للتداول بشأن خطة لوقف العدوان واستعادة التهدئة. وبالرغم من أن مصر تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، فلا يخفى أن علاقات تركيا معها أقوى. كما أن لدى أنقرة أوراقاً قد تستطيع استخدامها في التأثير على إسرائيل دون أن تلجأ إلى إجراء لا تملك مصر غيره وهو سحب سفيرها في تل أبيب. ولأن القاهرة لم ترغب في اللجوء إلى هذا الإجراء، الذي سبقت أن اتخذته في أكتوبر 2000، فقد باتت أنقرة الدولة الوحيدة في المنطقة التي تستطيع ممارسة شيء من الضغط على إسرائيل، خصوصاً بعد أن أبدت استعداداً لذلك منذ اللحظة الأولى للعدوان عندما لوحت بسحب وساطتها في المفاوضات غير المباشرة بين تل أبيب ودمشق. ولكن هذا مرهون بنجاحها في الحد من الانقسام العربي. فلا معنى في الواقع لتحرك تركي تجاه إسرائيل يتضمن ممارسة شيء من الضغط عليها بدون أفق سياسي يصعب فتحه في غياب مصالحة أو حتى تقريب بين طرفي الانقسام الفلسطيني. ولا يبدو هذا ممكناً بدون وضع حد للانقسام العربي. والسبب الثاني الذي يجعل تركيا في موقع يتيح لها أكثر من غيرها، على المستوى الإقليمي، التحرك سعياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه هو علاقاتها الطيبة مع أطراف الانقسام في المنطقة من سوريا وإيران على جانب إلى مصر والسعودية على الجانب الآخر. ومن المفارقات التي تدل على مدى التدهور الذي لحق بالوضع العربي خلال العقد الأخير، فقط أن تركيا هي الدولة الكبيرة الوحيدة في المنطقة التي تقف بمنأى عن الانقسام الذي ضربها. ولذلك تبدو هي الوحيدة أيضاً التي تستطيع القيام بوساطة مقبولة من الجميع، بعد أن كانت قبل عقد واحد في حاجة إلى تحرك عربي لمنع نشوب حرب بينها وبين سوريا. وقد قامت مصر بهذا التحرك الناجح في العام 1998 حين كان دورها الإقليمي أقوى، وعندما كان النظام العربي الرسمي أكثر تماسكاً قبل أن يدب الانقسام في منطقة القلب فيه، والتي أضعفها الآن تفكك "المحور" المصري – السعودي – السوري. وتتمتع تركيا الآن بعلاقات تجعل تحركها في حالة الشلل العربي أكثر من ضروري. فقد توطدت صلاتها مع سوريا، بعد أن كانت الحرب بينهما وشيكة في 1998. وهي التي رعت المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل. ولما كانت هذه المفاوضات مهمة بالنسبة إلى دمشق، في الوقت الذي تترقب فيه توجهات الإدارة الأميركية الجديدة، فقد تستطيع تركيا إقناعها بالضغط على "حماس" للقبول بتهدئة جديدة. وهذا تحرك لا يقدر عليه في المنطقة غير تركيا بحكم دورها في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل. كما تحتفظ أنقرة بعلاقات قوية مع طهران بالرغم من القلق، الذي لابد أن تشعر به من جراء سياسة إيران الإقليمية وسعيها إلى توسيع نفوذها في المنطقة. وعلى الجانب الآخر، تمتلك تركيا علاقات ممتازة مع مصر لا تشوبها شائبة، وكذلك مع السعودية. أما السبب الثالث، الذي يجعل دورها غير منازع، فهو يتعلق بسياستها العقلانية بوجه عام، إذا استثنينا موقفها تجاه الأكراد والذي بدأ يتحسن أخيراً. ومن الطبيعي أن تشتد الحاجة إلى العقل حين يبدو الجنون سيد الموقف، سواء على صعيد العدوان الإسرائيلي الوحشي، أو على مستوى المدى الذي بلغه الانقسام العربي – الإقليمي، وأدى إلى إعطاء أولوية لتصفية حسابات وتحقيق مصالح صغيرة في لحظة عصيبة. ومن فضائل العقلانية التركية أنها تشمل القدرة على الحوار، في لحظة ظهر فيها الأثر الفادح لعجز معظم العرب عن إدارة حوار جاد وصريح بدلاً من المزايدات والمهاترات التي كشفت أن لأزمتهم بعداً ثقافياً أساسياً إلى جانب أبعادها السياسية والاستراتيجية. فافتقادهم ثقافة الحوار يجعل لغتهم العربية لغات متضاربة وليست فقط مختلفة، لأنها تكف في هذه الحالة عن أن تكون أداة للتواصل بينهم. وعندئذ قد تكون اللغة التركية أكثر جدوى في السعي إلى مصالحة بينهم.