إذا كانت الحرب الباردة قد شكلت السياسات الدولية على امتداد نصف قرن كامل، فإن المتوقع لارتفاع درجات حرارة الأرض أن يسهم في تشكيل تلك السياسات لفترة أطول من نصف القرن بكثير، وأن يثير نزاعات وحروباً ساخنة بمعنى الكلمة. ولطالما اعتدنا على النظر إلى التغير المناخي باعتباره مشكلة بيئية وليست أمنية عسكرية، غير أن الوقت قد حان لتغيير هذا النمط من التفكير. وربما يعني التغير المناخي مجرد إحداث تغيير في نمط حياة المجتمعات الغربية لا أكثر، أما في أنحاء أخرى من العالم، فربما يعني أبعد من ذلك بكثير. فبحكم كوني أميركياً يقيم في واشنطن، ربما تأتي استجابتي للتغير المناخي في شراء إحدى سيارات تويوتا الهجينة الصديقة للبيئة، أو زراعة شجرة أو خفض جهاز الثيرموستات الذي استخدمه لتنظيم الحرارة. أما في أنحاء أخرى من العالم، فربما تكون الاستجابة للتغير المناخي، بناء الحصون الواقية من القنابل وشراء البنادق والأسلحة. من هذه التغيرات يحذر الدكتور جون آشتون -الدبلوماسي العتيق الذي عين أول مبعوث بريطاني خاص للتغير المناخي- بقوله: "هناك أكثر من سبب يحملنا على الاعتقاد بتعزز الارتباط ما بين الأمن والتغير المناخي، كلما تقدمت سنوات القرن الحادي والعشرين. وقد كانت المرة الأخيرة التي واجه فيها العالم تحدياً بهذا التعقيد خلال سنوات الحرب الباردة. ومع ذلك فإن المخاطر أكبر بكثير هذه المرة. فالعدو هو نحن أنفسنا، وما نتخذه من خيارات وقرارات". بل إن خبراء الدفاع أنفسهم بدأوا يتنبهون إلى هذه الصلة التي تربط ما بين النزاعات والتغير المناخي. فقد حذر تقرير صدر العام الماضي عن مؤسسة CNA -المتخصصة في الدراسات والبحوث الاستراتيجية- بمشاركة عدد من جنرالات الجيش والقادة البحريين، من أن يؤدي التغير المناخي إلى إحداث قلاقل واضطرابات سياسية في عدد من الدول الأكثر تأثراً بالكارثة، بل إلى إثارة المواجهات المسلحة والحروب. وأحد العوامل الرئيسية التي يتوقع لها أن تسهم في تصعيد التوترات، تزايد الهجرات السكانية من المناطق غير الصالحة للسكن، مؤدية بذلك إلى إثارة التوترات الحدودية، وتزايد الطلب على خدمات الإنقاذ والإخلاء، إلى جانب تزايد النزاعات حول الموارد الرئيسية. ولما كانت مجموعة هذه المهددات قد لاحت في الأفق فعلياً، فقد عقد مجلس الأمن الدولي حواراً -يعد سابقة بحد ذاته- بشأن التغير المناخي في شهر أبريل من العام الماضي. تلك هي المرة الأولى التي ينظر فيها مجلس الأمن الدولي إلى التغير المناخي باعتباره قضية أمنية قومية. والحق أن التغير المناخي ربما يتسبب في إثارة النزاعات المسلحة والحروب بثلاث طرق. أولاها النزاعات الناشئة بسبب الندرة، فكلما ازداد عالمنا حرارة وجفافاً، كلما ذابت المسطحات الجليدية، مؤدية إلى تقلص المساحات الصالحة للزراعة. وبالنتيجة سوف تشح موارد المياه العذبة والنباتات والمحاصيل والماشية وغيرها من الحيوانات المحلية، ما يعني تزايد حدة المنافسة عليها ونشوء النزاعات حول ما تبقى منها. وفي الحالات الأكثر سوءاً مثل جفاف النظام البيئي التام، فربما يفرض ذلك إخلاء السكان من المناطق الأشد تأثراً. وكلما ازدادت هجرات السكان من مناطقهم، كلما ازدادت مناوشاتهم ومواجهاتهم مع جيرانهم الجدد. وربما يحدث هذا النزوح القسري للسكان إما فجأة وبغتة أو ببطء وعلى مدى زمني طويل. فعلى سبيل المثال استغرق ظهور الصحراء الأفريقية عدة قرون من الزمان، اضطر خلالها السكان إلى النزوح التدريجي من مناطقهم السابقة بسبب تعاقب موجات الجفاف، إلى المناطق الأبعد القريبة إلى مجرى النيل ونهر النيجر وغيرهما. أما في حالة إعصاري كاترينا وريتا اللذين حدثا خلال السنوات القريبة الماضية، فقد اندفع آلاف الناس فجأة من ولايات لويزيانا وتكساس ومسيسيبي بحثاً عن مواطن أخرى لهم. وفي بنجلاديش فقد أدى إعصار واحد في عام 1991 إلى تشريد مليوني نسمة ومصرع نحو 138 ألفا آخرين. وفي كل هذا ما يثير الحروب والنزاعات بسبب التنافس على الموارد. أما السبب الثاني لنشوء النزاعات المتصلة بالتغير المناخي، فيتمثل في وفرة الموارد. فهب أن تزايد التغير المناخي أسفر عن زيادة موارد النفط في مناطق مثل كندا وسيبيريا وألاسكا جراء انحسار المسطحات الجليدية فيها. عندها يمكن أن تنشأ نزاعات حدودية دولية حول بعض تلك المناطق. وبالمثل يمكن أن تنشأ النزاعات نفسها بين الدول بسبب التنافس على الأراضي الزراعية الجديدة وغيرها من الموارد التي ربما يتسبب في ظهورها التغير المناخي نفسه. ثالثاً، علينا أن نقلق كذلك بسب النزاعات ذات الصلة بالسيادة الوطنية التي فضلنا تأجيل الخوض فيها طوال سنوات الحرب الباردة. فعلى سبيل المثال هناك المعبر المائي الشمالي الغربي، الذي يتحول إلى منطقة خالية من الجليد وصالحة للملاحة البحرية طوال موسم الصيف بين قارتي آسيا وأوروبا. فمن ناحيتها تزعم كندا أن بعض أجزاء ذلك المعبر تتبع إلى مياهها الإقليمية، في حين ترى الولايات المتحدة الأميركية أن الأجزاء التي تتحدث عنها كندا تقع ضمن المياه الدولية. وعلى رغم استبعاد تسبب هذا النزاع في نشوب حرب أو مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وكندا في المستقبل القريب، إلا إن من يستبعد هذا الاحتمال تماماً، فإنه لا شك قد نسي حرب عام 1812 التي دارت على الخط الحدودي الفاصل بين الدولتين الجارتين. ختاماً، فإن من شأن كل هذه التغيرات المناخية أن تتسبب في نشوء حزامين رئيسيين للنزاع الجيوسياسي الدولي، يتوقع لهما أن يشكلا أنماط النزاعات التي سوف يشهدها القرن الحادي والعشرون. جيمس آر. لي ___________________________ مدير مشروع النزاعات والبيئة بالجامعة الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"