أثارت فكرة "المزارع العمودية أو الرأسية تعليقات ساخرة عند ظهورها لأول مرة، ولكن ذلك لم ينل من عزيمة ديكسون ديسبومير، أستاذ الصحة العامة بجامعة كولومبيا الأميركية. فهو يرى أن زراعة المحاصيل في ناطحات السحاب تمثل طريقة أفضل وأنجع لتوفير الغذاء للعالم. ويضم موقع البروفيسور ديسبومير على شبكة الإنترنت (verticalfarm.com) مفهومه الزراعي الجديد المتمثل في مبان عالية تُزرع فيها منتجات زراعية طازجة وطرية داخل المناطق الحضرية. ولكن المشكلة، مثلما يعترف ديسبومير نفسه، هي أن لا شيء من الرسومات الجميلة التي يضمها موقعه قد يعمل وينجح مثلما هو مبين إذ يقول "إنها تبدو جميلة ... وذاك على الأقل يعني أنهم يفكرون في الاتجاه الصحيح". والمطلوب الآن قبل أن تُنفق ملايين الدولارات في إنشاء أو تجديد مبنى يتألف من 30 طابقا وتحويله إلى مزرعة عمودية، يقول ديسبومير، هي نماذج صناعية ينبغي أن تُصنع في جامعات زراعية رائدة ويتم تجريبها واختبارها وتطويرها إلى أن تَثبت إمكانية تطبيق المفهوم، "وحالما يحدث ذلك، سيصبح بإمكاننا أن نخرجها من قاعة العروض وننفذها على أرض الواقع". وإذا كانت أفكار "ديسبومير" الخلاقة قد نالت إعجاب الكثيرين عبر العالم، فإن المشككين مازالوا يتساءلون بشأن كيف يعتزم التعاطي مع مشكلة الطاقة الشمسية – توفير ما يكفي من الضوء للداخل والطوابق المنخفضة لأبراجه الزراعية. وفي هذا السياق يقول "جيني جاكوميلي"، مدير "مركز الزراعة البيئية المراقبة" بجامعة أريزونا في تاكسون: "إذا كنت تريد القيام بالزراعة العمودية، فإن توفير الطاقة الشمسية للنباتات من أولى المشكلات التي تعترضك". ولا يخفي جاكوميلي إعجابه بجرأة مفهوم المزارع العمودية، ولكنه يرى أنه لا بد من حل الكثير من المشاكل أولا، معتبراً أن ديسبومير "مفكر مبدع يطرح أمامنا جميعا تحدياً جديداً يدفعنا إلى محاولة اختبار إمكانية تحقيقه". وتشمل التحديات أيضاً إيجاد وتدريب "مزارعين" يستطيعون إدارة ما يرجح أن يكون نظاماً معقداً حيث يقول جاكوميلي: "لا يوجد أحد في الوقت الراهن". ولكن المشاكل التقنية ليست مشاكل غير قابلة للحل – ذلك أن المحاصيل تُزرع حاليا على سبيل المثال في بيوت في القطب الجنوبي، وإن بكلفة باهظة - إلا أنه يعتقد أن "احتمال الفشل في الزراعة التي تقام داخل المباني أكبر وأعظم من احتمال القيام بها على نحو صحيح والنجاح فيها". وحسب "ديسبومير"، سيكون العالم في حاجة إلى المزارع العمودية لأن الزراعة التقليدية لا تستطيع مواكبة ما هو آت؛ ذلك أنه بحلول منتصف القرن، يُتوقع أن يضاف إلى سكان العالم نحو 3 مليارات نسمة أخرى، ما يعني ارتفاع عدد سكانه إلى ما يقارب 10 مليارات نسمة. وهو ما سيطرح مشكلة إطعام الأفواه الإضافية، وسيتطلب إيجاد أراض زراعية تفوق مساحتها مساحة البرازيل – من دون إزالة الغابات المطرية الضرورية لضمان استقرار مناخ الكوكب. وحسب "ديسبومير"، فإن الزراعة العمودية لديها إيجابيات كثيرة إذ يقول: "إن المرء لا يستطيع التحكم في كثير من الأشياء في المزارع التقليدية خلافاً للمزارع التي تقام داخل البيوت حيث لا توجد فيضانات ولا حرائق ولا عواصف ولا برَد ولا جفاف". كما أنه يمكن التحكم بسهولة أكبر في أمراض النباتات والطفيليات، ما يعني حاجة أقل إلى المبيدات الحشرية ومبديات النباتات الطفيلية. ثم إن الزراعة داخل المباني أكثر فعالية وأفضل مردودية، ذلك أن فداناً واحداً من الفراولة المزروعة في المباني، مثلاً، يمكن أن ينتج ضعف ما ينتجه فدان مزرعة تقليدية بثلاثين مرة. وبصفة عامة، فإن فدانا في المزارع العمودية أكثر إنتاجية ومردودية مقارنة بالمزارع التقليدية بأربع إلى ست مرات، بفضل إمكانية زراعة المحاصيل على مدار السنة. وفي هذا السياق، يقول ديسبومير: "في المزارع التقليدية، يمكن أن تحصل على محصول واحد في السنة، أما في المزارع العمودية، فيمكنك أن تحصل على أربعة أو خمسة محاصيل في السنة". وعلاوة على ذلك، فإن الزراعة داخل المباني في المناطق الحضرية تعني انخفاض كلفة النقل وضمان طراوة المنتوج الزراعي. وحسب ديسبومير، فإن مشكلة جلب الضوء إلى النباتات يمكن حلها عبر الإضاءة الصناعية التي يمكن أن توفرها الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو غيرها. والأكيد أن متطلبات الطاقة في حالة المزارع العمودية أقل مقارنة مع الزراعة التقليدية، بآلياتها الكبيرة وأسمدتها وحاجتها للنقل لمسافات طويلة. ومع ذلك، فإن المتشككين يبدون غير مقتنعين حيث يقول ريتشارد ريجستر، مؤلف كتاب (EcoCities) "المدن الإيكولوجية": إن فكرة ملء مبنى ما بالنباتات وتزويدها بالضوء بشكل صناعي هي من أغرب الأفكار التي سمعتها على الإطلاق"، مضيفا "إنها ليست زراعة جادة، إنها ليست كذلك". وبالمقابل، يرى "ريجستر" أن الحل الأفضل يكمن في تطوير مدن أكثر كثافة وأكثر فاعلية من حيث استهلاك الطاقة مع مرور الزمن، وذلك على غرار النموذج الأوروبي. وهو ما من شأنه أن يوفر أراضٍ بالقرب من المناطق الحضرية تخصَّص للزراعة التقليدية وتستفيد من "طاقة شمسية مجانية مئة في المئة". ويقول "ديسبومير" إن أولى المزارع العمودية في العالم من المرجح أن تظهر خارج الولايات المتحدة حيث الحاجة إليها أكبر وأمس. وقد لمس اهتماماً بالفكرة في شنغهاي وأبوظبي، ويقوم حالياً بزيارة للهند لإلقاء محاضرة حول الموضوع في "المعهد الهندي للزراعة" ببنجلور. جريجوري لامب كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"