ليس معقولاً أن كل أزمة طاحنة تظهر العجز العربي الفادح تفضي إلى أزمة مصاحبة لا تقل عنها شدة بين مصر بالذات والقوى المتشددة داخل النظام العربي الرسمي منها والشعبي، وكأن الجميع يفاجأ بسياسات الجميع. ومثل هذا الوضع يحيل أية حلقة من حلقات المواجهة العربية- الصهيونية إلى مواجهة عربية- عربية بالأساس، وهذا بدقة هو ما نواجهه الآن، فلا جهد يذكر عربياً ضد إسرائيل فيما المعركة على أشدها بين الأطراف العربية المتناحرة. وقد نذكر أن البعض قد تبنى حيناً أن الطريق إلى القدس يمر بالقاهرة أو دمشق أو عمان... بمعنى أنه لا خلاص لنا من الكيان الصهيوني إلا بإصلاح أوضاعنا العربية، غير أن الخبرة العملية أثبتت أن تغيير هذه الأوضاع عملية تاريخية معقدة يمكن أن تتيح وقتاً لذلك الكيان كي يرسخ أقدامه أكثر، ولذلك بدا هذا النهج رفاهية لا يسمح بها الصراع العربي- الصهيوني، وأصبح النهج الوحيد المطروح هو المضي قدماً في تحقيق المعادلة الصعبة للتوفيق بين ضرورة الاصطفاف العربي ضد إسرائيل والعمل في الوقت نفسه على تطوير أوضاعنا العربية إلى الأفضل، وهو نهج لو تعلمون بالغ التعقيد. ترتبط مصر كما هو معروف منذ أقل قليلاً من ثلاثين سنة، وهو زمن كافٍ للتأكد من جديتها في هذا الصدد، بمعاهدة سلام مع إسرائيل، ولذلك فإنه من البديهي أن لجوءها إلى أية صورة من صور استخدام الأداة العسكرية ضد إسرائيل غير وارد في أية حلقة من حلقات المواجهة العربية معها، وللأمانة فإن أحداً من خصوم السياسة المصرية لم يطالبها في الأزمة الراهنة بأن تدخل حرباً ضد إسرائيل. لكن اللافت من ناحية أخرى أن المواقف العربية المتشددة صبت جام غضبها على السياسة، وهذا مفهوم، وركزت على ضرورة فتح معبر رفح، وهو مفهوم أيضاً، لكنه يجب أن يكون مفهوماً بالدرجة نفسها أن فتح المعبر لا يحل الآن سوى البعد الإنساني في مأساة غزة، فلا علاقة له من قريب أو بعيد بالبعد السياسي الاستراتيجي، لأن هذا البعد لن يحل إلا بوجود رادع عربي، وبما أننا متفقون على أن السياسة المصرية وحدها لن توفر هذا الرادع فإن توفيره يصبح مسؤولية القوى العربية المتشددة التي تنعي على السياسة المصرية اعتدالها وحذرها البالغ. لكن هذه القوى -التي يرتبط بعضها بترتيبات تحول دون استخدامه القوة ضد إسرائيل أو ينخرط في تفاعلات يمكن أن تفضى إلى اتفاقيات مع إسرائيل- تكتفي حتى الآن بالضغط على السياسة المصرية كي تغير توجهاتها، والتركيز على فتح معبر رفح الذي لا يحل المعضلة السياسية الاستراتيجية الراهنة كما سبقت الإشارة. ولكي تكسب هذه القوى المتشددة صدقية أكبر فإنها بشقيها الرسمي وغير الرسمي تشدد على التعريض، وبعضه مفهوم، لكن بعضه الآخر ليس كذلك، كأن يقال إن التردي العربي قد بدأ منذ غزو العراق2003، وكأن القمم العربية منذ احتلال العراق قد تحدثت بحرف واحد عن ضرورة إنهاء هذا الاحتلال بالسرعة الممكنة. هذا ناهيك عن الدعوات الانفعالية، وهي دعوات تكشف عن قصور في فهم نفسية الشعوب -وليس الشعب المصري وحده- خاصة عندما تكون هذه الشعوب بغير حاجة إلى من يذكرها بواجبها القومي. يضاف إلى ما سبق أن التحريض الخارجي يفتح الباب على مصراعيه للوبي المعادي للعروبة وفلسطين في مصر، وهو لوبي قد يكون قليل العدد لكنه يملك بعض أدوات التأثير، ويستفيد من مناخ هذه الأزمات حين يسمح له رسمياً بالانتشار والازدهار، وقد تصيب بعض سهامه قطاعات غير واعية من الرأي العام. والخلاصة إذن أن للسياسة المصرية الرسمية خياراتها لكن ذلك لا ينبغي أن يكون ستاراً تختفي خلفه سياسات عربية أخرى. وقد يقول قائل إن هذه الشدة على مصر ترجع إلى وزنها في الساحة العربية والدور القيادي المفترض لها في هذه الساحة، وهو قول ينطوي على تضارب منطقي، فكيف نسلم بأن لمصر دوراً قيادياً من ناحية ونتصور أنه من الممكن التحكم في سياستها من ناحية أخرى؟ وقد يذكرنا هذا بالاعتراض العربي الشامل على السياسة المصرية بعد زيارة القدس الشهيرة في1977 ثم البدء بعد ذلك بالولوج عربياً في خيار التسوية السلمية الذي استدعته السياسة المصرية من خلال صيغة فاس التي تبنتها قمة1982. لا بديل أمام قوى الرفض إذن إلا أن تطرح خياراً مغايراً، وأن تكون لهذا الخيار صدقيته على أرض الواقع، فإن لم تفعل لا يبقى لنا سوى أن نحاول الوصول إلى كلمة سواء فيما بيننا جميعاً: لنتفق أولاً على أنه في هذا الصراع العربي- الصهيوني ينبغي أن تكون التناقضات العربية- العربية ثانوية، وأن يكون التناقض الرئيسي هو التناقض مع العدو، ولنتفق ثانياً على أن هذا الصراع يهدد أمننا جميعاً وليس أمن فلسطين وحدها، ولنتفق ثالثاً على أننا نتبنى خيارات مختلفة ولكننا جميعاً لم نستنفد هذه الخيارات بعد، فلا الذين يطرحون خيار التسوية السلمية استخدموا كل أوراقهم، ولا كل الذين يطرحون خيار المقاومة يقاومون بالفعل، بل إن بعضهم منخرط في خيار التسوية أو مرتبط بترتيبات تقيد استخدامه القوة ضد إسرائيل، ومع بدء المعركة البرية ليل السبت الماضي، ومع الأمل في صمود المقاومة الفلسطينية وتحقيقها إنجازاً نوعياً يضيف إلى تآكل المشروع الصهيوني يصبح الوصول إلى كلمة سواء عربية مسؤولية كل من بقيت عنده ذرة ضمير في هذه الأمة.