مع انطلاق العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، تلاحمت صفوف الإسرائيليين المعتدين رغم تنافسهم الشرس في عملية التحضير للانتخابات، وانفتحت في المقابل ثقوب في الموقف العربي تدفقت منها الشكوك والاتهامات المتبادلة، بل والدماء أيضاً. لعل الأبرز في وحدة الصف الإسرائيلية هو ذلك الانضواء الذي بدأه زعيم المعارضة "اليميني" بنيامين نتانياهو في خطابه بالكنيست تحت قيادة الحكومة القائمة، والتي كان يحلم بوراثتها طبقاً لاستطلاعات الرأي، فإذا بالعدوان يرفع من شعبيتها ويعزز مكانة وزير دفاعها "إيهود باراك" وحزب "العمل" الذي ينتمي إليه، بعد أن كان في حالة تآكل وذبول. إن هذا الانضواء من جانب نتانياهو لا يعني التسليم في المعركة الانتخابية، ولكنه يعني أن لحظة الخطر تستوجب التلاحم وتأجيل التناقضات والمنافسات. سنلاحظ بعد انتهاء العدوان والعمليات العسكرية عودة نتانياهو للتذكير بأخطاء حكومة "كاديما" والتنديد بالصبر الطويل، الذي أبداه إيهود باراك وزير الدفاع، على انطلاق الصواريخ من غزة قبل أن يتخذ قراراً بالتحرك، فالقاعدة هناك أن الخطر يلزم الجميع بالاصطفاف في خندق واحد. في المقابل يبدو أننا لم نستوعب بعد هذه القاعدة، على المستوى الفلسطيني الداخلي إذا أخذنا مثالاً، وهو الدعوة التي وجهها الرئيس محمود عباس لاجتماع ممثلي الفصائل المختلفة بما في ذلك "حماس" للتشاور حول مواجهة العدوان، فإننا نجد أن الإجابة تأتي عنيفة متهكمة. لقد صرح نائب الأمين العام لحركة "الجهاد" الإسلامي زياد نخالة، للصحف أن طلب الرئيس عباس قد قوبل بالرفض، ثم تساءل مستنكراً ماذا سيعرض أبومازن على الفصائل؟ سيقول تعالوا نعقد تهدئة. ثم أضاف في لغة تكرس الشقاق الداخلي وتقطع الطريق على محاولة التقارب في وقت الخطر. إن أبومازن يريد عقد اجتماع مع القيادات في الضفة ليطرح عليهم الشروط الإسرائيلية التي يروج لها، هكذا ينفتح ثقب واسع في لحظة الخطر ليكرس حالة الشقاق. على الناحية الثانية نلاحظ أن السلطة الفلسطينية قررت أن تمنع داخل مدن الضفة الغربية تطور الاحتجاجات الشعبية ضد العدوان إلى انتفاضة فلسطينية جديدة، فقد أكد وزير الإعلام الدكتور رياض المالكي أن السلطة لن تسمح بعودة الانفلات الأمني من أي طرف كان. وأضاف في مؤتمر صحفي يوم الاثنين 2008/12/29، لقد صدرت الأوامر لأجهزة الأمن للتعامل مع المسيرات ومنع التظاهر من الوصول إلى مناطق التماس، حتى لا يسقط المزيد من الأبرياء. هكذا تم تكبيل رد الفعل الشعبي في الضفة ومنع المتظاهرين من الاحتكاك مع قوات الاحتلال لتوليد ضغط على المعتدي. على صعيد آخر انفتح في الموقف العربي ثقب آخر نزفت من خلاله طاقات كبيرة، كان يجب أن توجه جميعاً نحو المعتدي، ذلك أن النداء الذي أطلقه حسن نصرالله إلى الجماهير والقوات المسلحة المصرية بفتح معبر رفح، صنف باعتباره تدخلاً في شؤون مصر، وبالتالي جوبه بردود من وزير الخارجية المصري ورؤساء تحرير الصحف المصرية بتساؤل: لماذا لا يفتح هو بنفسه جبهة من جنوب لبنان؟ ولماذا لا يطالب حلفاءه في إيران بالضغط على سوريا لفتح جبهة من الجولان لمساندة غزة؟ ووجدنا أنفسنا في أخذ ورد ونزيف كلامي لا أثر له إلا توسيع الشقاق في الثوب العربي، والانشغال بتناقضات ثانوية عن التناقض الجوهري مع المعتدي الإسرائيلي. خذ ثقباً ثالثاً لم تتدفق منه الكلمات وعبارات ملتهبة فحسب، بل تدفق منه دم ضابط مصري وجنديين مصريين من حرس الحدود، قام بعض المسلحين الفلسطينيين بإطلاق النار عليهم أثناء محاولة لاقتحام الحدود، وكان من الطبيعي أن تتحول جنازة الضابط الشاب في إحدى قرى محافظة كفر الشيخ إلى مظاهرة غاضبة ترفع شعارات مثل: "هي دي آخرتها يا حماس"؟ وسط ولولة أم الضابط التي راحت بصوت مبحوح تؤكد أن ابنها كان يتمنى الشهادة في المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ولينفتح ثقب في جدار التلاحم الواجب في مواجهة العدوان على شعب غزة. إن هذا التناقض الفاضح بين سلوك التلاحم الإسرائيلي وتجميد التناقضات الداخلية والتنافسات على الزعامة وقت الخطر، وبين ترهل الصف العربي وتزايد الثقوب في الرداء الواحد، يدق ناقوس التنبيه للجمع العربي، أن أفيقوا وتعلموا كيف تتحدون في مواجهة الخطر.