طوبى لكل أم شهيد ولكل أم جريح فلسطيني سقط يوم "السبت الأسود" في قطاع غزة. ثم، مرة ثانية، طوبى للشعب الفلسطيني الذي يستقبل صواريخ وطائرات الاحتلال الصهيوني بمزيد من الصمود والثبات. ومرة أخرى، نلقي طوبة على رأس كل من لا يشعر أن شلال الدماء الفلسطيني جدير بجرف الخلافات الفلسطينية! لقد خاض الشعب الفلسطيني انتفاضته الأولى بسبب حالة الإحباط واليأس من الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل إيجاد دولة فلسطينية واحدة ونظام سياسي واحد لشعب واحد. كما خاض انتفاضته الثانية بسبب الاستهتارات الإسرائيلية بالقضية الفلسطينية وانهيار عملية السلام، وليثبت للعالم أن الشعب الفلسطيني لن يتهاون في قضية القدس. غير أن الشعب الفلسطيني، والذي ضحى وما زال يضحي من أجل حماية هذا الوطن لكي يتمم بناء قواعد الدولة الفلسطينية، يعيش حالة تبعثر شتتت كل أطياف الشعب، بل إنها تكرست بانقسام سياسي وجغرافي بين الضفة والقطاع. والواجب الآن أن نضع الكف بالكف ونسير نحو هدف مشترك من أجل إنقاذ القضية الفلسطينية. لطالما "استوعبنا" المناكفات السياسية والاتهامات المتبادلة بين القيادات الفلسطينية المختلفة على اعتبار أنها جزء من الحياة السياسية وجزء من الواقع الفلسطيني الصعب والمتشرذم. أما أن تستمر هذه المناكفات والاتهامات في ظل شلال الدم الفلسطيني، فهذا أمر لا يمكن أن يستوعبه عقل بشري. فأي عقل يمكن أن يصدق ما نسب للبعض حيث قيل لنا (عبر وسائل الإعلام) بأنهم صرّحوا بأن حركة "حماس" هي "شريك في هذه الجريمة مع الاحتلال"، رغم وجود جثث الشهداء في شوارع وأزقة قطاع غزة، ورغم اشتعال ألسنة اللهب بالجثث والمباني، وإن "حماس" هي التي "تخلق المبررات للاحتلال للقيام بهذه المجازر"؟ إن حق المقاومة، بشتى السبل والوسائل، حق مشروع لكل فلسطيني ضد الاحتلال وفق كل المواثيق والشرائع الدولية. أما اتهام المقاومة بأنها سبب المجازر أو شريكة فيها فهذا كلام -لاسيما في حمأة المجزرة- غير جائز ولا يقبله عقل ولا يستوعبه منطق. فالواجب أن لا نجعل خلافاتنا الداخلية مدخلا للاحتلال وحلفائه للتنصل من مسؤولياته عن جرائمه. وإن كانت المقاومة هي التي تخلق المبررات للاحتلال وجرائمه في القطاع، فها هي الضفة تشهد هدنة من طرف واحد، والمقاومة فيها لم تطلق رصاصة واحدة على الاحتلال منذ عامين، إن لم يكن أكثر، فما هي دوافع الاحتلال في عمليات الاقتحام والقتل والاعتقال اليومية، ناهيك عن مصادرة الأراضي وتوسيع "الاستيطان"؟! لذا، فإنه عوضاً عن المناكفات والاتهامات السياسية في ظل تزايد العدوان الإسرائيلي، لابد من خلق حالة نوعية حقيقية من التوافق الفلسطيني. فهل بعد هذا هناك متسع من الوقت لدى البعض للمجادلة والتنظير السياسي؟! نحن مع "موسى برهومة" حين كتب: "الحسرة تنهشني وأنا أرى أن الدم الفلسطيني لم يشفع لتجار الحروب بأن يكفوا عن خلافاتهم وأن يرتقوا فوق الضغائن، وأن يجعلوا المأساة عتبة للانصهار في بوتقة المقاومة بكل أشكالها ضد العدو التاريخي الواحد. لكن هذا المشتهى لم يحدث، وبقيت الثنائية السقيمة أكثر طغياناً على المشهد من مئات الضحايا الذين باغتهم الموت الإسرائيلي". ثم يضيف: "ولأن قلب العدو الإسرائيلي، يا ابن فتح أو حماس، ليس كقلب أخيك، عليك أن تسمو فوق النقائص، كي يستعيد الموت طعم الشهادة التي سطرها الفلسطينيون قلائد وقصائد ووشماً على ساعد البحر والزيتون. على الدم أن يوحد الإخوة الأعداء، فهذه لحظة تاريخية لن يغفر الشهداء لأي أحد إن هو بددها في غمرة التراشق العدمي بالكلام التخويني المقيت، ولا فصول العار الذي التأمت هذه المرة على كتابته إسرائيل والنظام العربي والفصائل الفلسطينية المتناحرة". وكما قلنا وركزنا كثيراً، فإن الأزمة الداخلية الفلسطينية وما تبعها من انقسام تعيدنا إلى أوسلو الذي انتج وضعاً فلسطينياً في غاية التعقيد جعل من الاحتلال صاحب شأن ونفوذ كبيرين في تقرير الوضع الفلسطيني برمته، علاوة على أنه أنتج -على مر الحكومات المتعاقبة- شريحة من المتنفذين الذين ندعو لهم بالهداية وتجاوز ذاتياتهم ومصالحهم وصولا للمصلحة العامة. وبعد، كيف يمكن الخروج من الوضع الراهن، بل ما هي فرص نجاح هذا الخروج؟ يأتيك الجواب من أبناء الشعب الفلسطيني المرابط في وطنه، والذي هو بطبعه متفائل لا يرى الأمور في أحلك المواقف بمنظار سوداوي. وإنك -حقاً- تذهل من كم الحلول التي تطرح من قبل الجميع، وبعيداً عن التحيز لفصيل أو حركة دون أخرى. ومع ذلك، فالخلاصة تكمن في أن ذلك الشعب يرى المصلحة العامة -مصلحة الشعب- هي الأساس، فأي فصيل لا يمكنه التحدث عن الحوار على سبيل المثال، فيما أفعاله على الأرض تناقض تصريحاته. لذلك، نحن مع استمرار الحوار، وقبل ذلك صياغة العلاقة بين الجميع على قاعدة الاحترام والتنافس الديمقراطي، دون أن ننسى ضرورة التداخل بين النضال الوطني ومقاومة الاحتلال وبين أهمية البناء الديمقراطي للمجتمع وللعلاقات الوطنية الفلسطينية، بمعنى ضرورة حسم أي تردد في شأن الأهداف الوطنية وتحديد البرنامج الفلسطيني بمهمات هدفها تحقيق الصمود والكرامة والأمن للوطن وليس للمواطن فقط! في وجه العدوان والجرائم النكراء وبشاعة المذبحة الجماعية التي ترتكب بحق أبناء الشعب العربي الفلسطيني، نعلن بصوت مرتفع أننا طلاب حرية واستقلال ودولة مستقلة، وأن من حقنا الدفاع عن أنفسنا أمام أي اعتداء. ورغم المصاب، علينا كفلسطينيين أن نتعامل مع هذا الجرح النازف (برغم الدماء والشهداء والجرحى ودموع الأمهات والآباء والأبناء) بمزيد من الحكمة. فنحن كفلسطينيين، بكافة قوانا السياسية، ليس أمامنا سوى تعزيز وحدتنا ومقومات الصمود لمواجهة العدوان الذي يتسع، الأمر الذي يتطلب من الجميع، كما أكدنا مراراً وتكراراً، تحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية عبر الاندفاع إلى طاولة الحوار الشامل فوراً لإعادة الوحدة واتخاذ القرار الفلسطيني الوطني الصائب والمشرف. ونحن اليوم أمام جريمة إسرائيلية بشعة ومذبحة جماعية ترتكب في وضح النهار من احتلال صهيوني لا يرحم. نحن أمام عدوان عنصري يرتكب بحق شعبنا في قطاع غزة، ولا مجال لنا كفلسطينيين إلا سلاح الوحدة والصمود. فالقذائف والصواريخ والطائرات الإسرائيلية لا تفرق بين فلسطيني وآخر وهي تستهدف كافة أبناء الشعب الفلسطيني بكل توجهاته السياسية. صحيح أن أطرافاً كثيرة تتحمل مسؤولية ما يجري، لكن إسرائيل لا تحتاج لمبررات للتعبير عن إجرامها، مستغلة الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل هي تدرك أن هذا الانقسام يعني انهيار القضية الفلسطينية وضياعها وافتقادها إلى الجوهر النضالي. فهل ندرك -نحن- هذا أيضاً؟ وهل يجرف شلال الدم الخلافات الفلسطينية؟