إذا كانت تقديرات البنك الدولي، وهو الجهة التي تتابع كل صغيرة وكبيرة على المستوى العالمي من خلال الأجهزة البحثية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية تؤكد على تفشي ظاهرة الرشوة والفساد في العالم، بمقدار تريليون دولار أميركي. ولا تسأل عزيزي القارئ ما هو هذا الرقم، فإنني أعرف فقط أنه رقم كبير جداً ربما يوازي ميزانيات دول العالم الثالث بما فيها ميزانيات الدول المنتجة للنفط، وربما يكون الرقم أكثر من ذلك أو في أحسن الحالات هو رقم صحيح! كم هي مأساة العالم الثالث المترتبة على ذلك الرقم، وعلى تفشي ظاهرة أو جريمة الفساد والرشاوى.
عادت بي الذاكرة إلى ربع قرن من الزمان حينما برز مصطلح السيد 5% حين ذاك، وكان يقصد ما يحصل عليه البعض ممن يتعاملون مباشرة بشركات النفط، فكان بعضهم يحصل على سنت من الدولار مقابل كل برميل من النفط. وكوّن أكثرهم ثروات هائلة من ذلك، حيث إن ذلك المبلغ لا يشكل عبئاً على برميل النفط، إلا أنه يشكل ثروة طائلة تراكمية على مدى سنوات. ألم يكن ذلك جزءاً من الفساد في عالم لا يوجد فيه رقيب ولا حسيب؟ ربما كانت تلك هي الإكرامية التي تقدمها شركات النفط لأولئك نظير تقديمهم خدمات جليلة للأخوات السبع حين ذاك. وحتى لا تذهب بعيداً في خيالك عزيزي من تقرأ السطور، فقد كانت الأخوات السبع هي شركات النفط التي تهيمن على العالم في ذلك الوقت.
أما الآن فقد تغيرت الصورة، وأصبح كل من له علاقة بمتخذي القرار سواء في العالم المتقدم كالولايات المتحدة، أو أوروبا، أو العالم الثالث، يسعى لينال جزءاً بسيطاً من الكعكة والتي يرى أنه أولى بأن يشارك من يملكها. فالأغلبية تسعى إلى استلام المقسوم، ولم تعد هنالك قيم أخلاقية، أو شعور بأهمية المحافظة على حقوق الأغلبية. إنه زمن الانتهازية بكل أشكالها، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهي الأهم.
إن مكافحة الفساد والرشاوى تصب في مصالح الأطفال، أو بعبارة أخرى في صالح مستقبل البشرية. لقد أكدت مجلة نيوزويك أن الولايات المتحدة الأميركية قد زادت من موازنة أجهزة المخابرات لرشوة من تستطيع بعد الكارثة العالمية في حوادث سبتمبر والتي فتحت الأبواب لجشع الانتهازيين الجدد، ولخلق عدد جديد وحتى لو كان يحارب ويناضل ضمن أخلاقيات الفرسان القدماء من حضارة الغرب، تلك التي تحارب من أجل الإنسان وحقوقه منذ ابراهام لينكولن، وجان جاك روسو. هؤلاء الفرسان، فرسان العهود الحضارية هم من يطلق عليهم الآن الإرهابيون.
كل ما أخشاه أن يحاكم روبن هود، أو سبارتاكوس بمحاكم ذاك الجاهل الذي يحكم العالم، ويقوم الإرهابي العالمي شارون باغتيالهم من كتب التاريخ، أو ربما يقوم بلير بمحاكمة شكسبير العظيم لأنه كتب عن جشع اليهود. أليس اليهود هم من بدأ عملية الرشاوى في التاريخ.
إن ما نشاهده الآن من تفش لظاهرة الرشوة والفساد هو صناعة صهيونية ورأسمالية، فهل يدرك البنك الدولي أن تقاريره ما هي إلا إدانة للرأسمالية المتوحشة التي تريد أن تظهر الآن نزعتها الإنسانية وهي تلقي للعالم فتات ما تسرقه منه ومن خيراته؟ ومن سوء حظ دول العالم الثالث الغارقة في الديون أن الرشاوى التي تذهب بما يبقى لها من ثروة وطنها أصبحت الآن تتعرض جهاراً نهاراً لسرقة خيراتها على يد أغنى دول العالم وأكثرها قوة وخيرات اقتصادية، إذ لم يعد خافياً على أحد أن قوات التحالف (نقول التحالف حتى لا نفتح على أنفسنا بوابة جهنم إذا استخدمنا كلمة الاحتلال من بعض الأقلام المسعورة التي ألغت كلمة الاحتلال من القاموس وقد بات علينا أن نعد للعشرة حتى قبل أن نطلق وصفاً ضد شارون لأن مثل هذه الصفات قد تزعج من أنعم عليهم وأرسل قوات التحرير!!).
نقول إن تلك القوات تضع يدها مباشرة على منابع النفط في تلك الدولة وهي التي تحدد كمية الإنتاج وتذهب بإيراداته دون أن يكون من حق أحد أن يسأل عن تلك الإيرادات. كما أن إسرائيل تضع يدها على المياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية، والمياه هي الثروة الوحيدة في فلسطين بعد أن قطعت إسرائيل أشجار الزيتون دون رادع أو مانع. وهكذا لم يعد للعالم الثالث سوى أن يحتمل سنوات عجاف قد تطول، هي تلك السنوات الذهبية للرأسمالية التي ترفع السوط في وجه كل من يعترض، فنحن في زمن قال فيه بوش كل من ليس معنا فهو علينا. وويل لمن هو معهم من مصير أسود بات يعرفه الجميع!