من الحقائق المعروفة، أن بداية الحضارة الإنسانية بجميع أشكالها، قد ارتبطت ارتباطا وثيقا بتوفر الماء العذب والأراضي الزراعية الخصبة، كما هو الحال عند مصبات الأنهار· ولكن الحقيقة الأخرى الأقل انتشارا وإدراكا بيننا، هي أن تطور تلك الحضارات على الصعيدين الصناعي والعلمي، وانتقال مجتمعاتها من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية ومن بعدها إلى مجتمعات تقنية، من خلال ثورات صناعية وعلمية، قد اعتمد بشكل أساسي على توفر مصادر الطاقة الطبيعية لأفراد تلك المجتمعات· هذا الدور الأساسي الذي لعبه توفر مصادر الطاقة في تطور المجتمعات البشرية، جعلها أيضا أحد أهم العوامل في الحفاظ على، واستمرارية الرفاهية والتطور الصناعي والعلمي، وخصوصا خلال القرون الأخيرة من التاريخ البشري، والتي شهدت انفجاراً في احتياجات المجتمعات الإنسانية من الطاقة، وبالتحديد الطاقة التي يوفرها الوقود المستخرج من باطن الأرض، مثل الفحم والغاز الطبيعي والبترول، والتي تقع جميعها ضمن ما يعرف بالوقود الأحفوري·
ويحتل النفط مكانة خاصة بين أنواع الوقود الأحفوري وبين أنواع وأشكال الطاقة الطبيعية جميعها· ففي هذه المرحلة من مراحل التاريخ البشري، أصبحت الحضارة الإنسانية تعتمد بشكل أساسي على النفط كمصدر يمد معظم جوانب الحياة اليومية بما تحتاجه من طاقة· فبداية من محركات السيارات والطائرات والسفن، ومرورا بمحطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية مياه الشرب، ونهاية بمحركات ماكينات الزراعة والصناعة وغيرها الكثير، نجد أن القاسم المشترك هو استخدامها جميعا لأحد مشتقات النفط، من خلال شكل أو آخر من أشكال محرك الاحتراق الداخلي· هذا التداخل الحيوي بين المجتمعات الإنسانية وبين محركات الاحتراق الداخلي، والاعتماد التام للحضارة البشرية في شكلها الحالي على مشتقات النفط، يسمح لنا بأن نقول وبكل ثقة إنه إذا ما نضب النفط، فسوف تعود هذه المجتمعات وتلك الحضارة إلى زمن العصور الوسطى· ولكن هذا الاعتماد الأساسي والحالي للحضارة البشرية على النفط ومشتقاته وعلى بقية أنواع الوقود الأحفوري لم يكن زهيد الثمن· فبمرور الوقت وتصاعد معدلات الاستهلاك، ظهرت العديد من المشكلات الجانبية والآثار السلبية على البيئة، بحيث أصبح هناك نوع من العداء غير المعلن بين استخراج واستهلاك الوقود الأحفوري وبين البيئات الطبيعية بمكوناتها من نباتات وحيوانات بما في ذلك الإنسان نفسه· هذا الموقف دفع بالمجتمعات الحديثة إلى البحث عن بدائل أخرى لا تضر بالبيئة ولا تنضب، من خلال ما أصبح يعرف بمصادر الطاقة المتجددة
ygrenE elbaweneR
secruoS أحد أنواع مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، هو طاقة الرياح· فهبوب الرياح جزء من عملية طبيعية تحدث منذ بداية الزمن ولن تنتهي إلا بانتهائه، ودون أن تصدر عنها عوادم أو ملوثات تضر بالبيئة والإنسان والنبات والحيوان· ويتم حصد هذه الطاقة من خلال مراوح ضخمة تزرع في طريق الرياح، وتوصل إلى توربينات تولد طاقة كهربائية، ومن ثم تخزن تلك الطاقة أو تنقل إلى المستهلكين· وتعتبر ألمانيا على رأس الدول التي تنتج وتستهلك طاقة الرياح من خلال مزارع ضخمة يصل عدد التوربينات فيها أحيانا إلى الآلاف· وعلى رغم هذا التقدم الهائل الذي حققته ألمانيا على بقية الدول في مجال انتاج واستهلاك طاقة الرياح، لا ينوي الألمان التوقف، حيث نجحوا في عام 2002 فقط في زيادة عدد مزارع الرياح الموجودة على الأرض الألمانية بمقدار 44 في المئة عن العام الذي سبقه· ولذا يقدر أن ألمانيا وحدها أصبحت أراضيها مزروعة بأكثر من 11 ألف توربين هوائي· ويعتبر السبب الآخر وراء انتشار مزارع الرياح في ألمانيا بهذا الشكل خلاف التلوث الناتج عن محركات الاحتراق الداخلي، هو قرار الحكومة الألمانية بالوقف التدريجي لمحطات الطاقة النووية بحلول عام ·2020 ومزارع الرياح تلك )mraf dniw( هي المساحات الشاسعة من الأراضي التي تخصص لبناء المراوح الهوائية الموصلة بتوربينات توليد الطاقة، وغالبا ما تكون تلك المزارع في المناطق الساحلية حيث تبلغ سرعة الرياح أشدها·
وتتطلع صناعة حصد الرياح في أوروبا إلى بناء مزارعها الحديثة في عرض البحر· وحسب هذه الفكرة سيتم بناء منصات بحرية مثل منصات البترول المعروفة، تثبت فيها طواحين الهواء ويتم نقل الطاقة منها إلى اليابسة عبر كابلات الكهرباء المعتادة· هذه الفكرة قد تحل الآثار السلبية التي بدأت تظهر مع زيادة عدد طواحين الهواء الأرضية وانتشارها على مساحات واسعة· أهم تلك المشكلات يمكن تلخيصه في أن تلك الطواحين مزعجة للقاطنين بالقرب منها، نتيجة الصوت الذي يصدر عن دورانها المستمر، بالإضافة إلى أنها تشوه المنظر الطبيعي للمناطق المحيطة بها، حيث تظهر كمئات وآلاف الأعمدة الحديدية البارزة من الأرض· ومؤخرا ظهرت أيضا مشكلة تأثير تلك الطواحين على البيئة الساحلية وبالتحديد ما يعيش فيها من طيور· كل هذه المشكلات ربما تستطيع مزارع الرياح البحرية حلها يوما ما، ولكن حتى هذه الفكرة ستواجه الكثير من