بالنسبة للناس الذين يعيشون بالقرب من مصافي النفط، والنباتات الصناعية، فإن العلامات الدالة على تلوث الجو غالبا ما تكون ظاهرة بوضوح. وتتمثل هذه العلامات عادة في الروائح الغريبة، والحبيبات التي تغبش زجاج النوافذ، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية. وعلى رغم وضوح هذه العلامات، فإن المقيمين في تلك المناطق يجدون صعوبة في إقناع الصناعات- بل ربما الحكومة أيضا- بضرورة التحرك، واتخاذ اللازم لمعالجة آثار التلوث.
لذلك لم يجد السكان طريقا آخر أمامهم سوى اللجوء إلى حلول غير تقليدية. ومن تلك الحلول على سبيل المثال قيام بعض المجتمعات المحلية باستخدام دلو سعته خمسة جالونات، مزود بكيس بلاستيكي متين، ومضخة شفط من النوع الذي يمسَك باليد.
وهذه القطع تشكل المكونات الأساسية لجهاز مبسط يتم استخدامه في جمع عينات الهواء. في مجتمعات تبدأ من نوروكو- لوس أنجلوس، إلى كادالوري بالهند. ومن المنتظر تزايد استخدام هذه الأداة في مجتمعات أخرى بمرور الزمن، خصوصا بعد أن ثبتت فعاليتها، في مجال الحصول على عينات من الهواء.
ويقوم السكان المحليون في المناطق التي يشتبه في إصابتها بالتلوث بأخذ العينات باستخدام دلو مقدم لهم من قبل مجموعة بيئية، تطلق على نفسها اسم (لواء الدلو)، ثم يقومون بعد ذلك بتسليم تلك العينات إلى مختبر، كي يتم فحصها، وتحليلها، وإعلان نتائج الفحص بعد مرور أسبوع. ويستطيع الناشطون التابعون لتلك الجمعية البيئية، والمزودون بمعلومات وبيانات مؤكدة، القيام بالعديد من الجهود المفيدة والمثمرة منها تثقيف وتوعية الجمهور، وتأمين موافقة الصناعات والحكومات على إجراء التحسينات، وإدخال التطويرات المطلوبة.
والهدف الذي يسعى إليه (لواء الدلو)، هو إجبار الصناعات والشركات التي تقوم بتلويث الهواء، على اتباع الإجراءات الكفيلة بمنع هذا التلوث، والمحافظة على نقاء الهواء، وإجبارها على إغلاق أبوابها في حالة عدم الالتزام بذلك. وذلك حسبما يقول (ديني لارسون) الرجل الذي قام بتطوير مفهوم لواء الدلو.
ويذكر في هذا السياق أن مجموعة (لواء الدلو) قد تأسست في ولاية سان فرانسيسكو عام 1995، ثم قامت مؤخرا بإنشاء فروع لها في دول مثل جنوب أفريقيا، وانجلترا، والفليبين.
وهذه المنظمة تتبع منظمة (مرصد المجتمع العالمي)، وهي منظمة بيئية تتخذ من سان فرانسيسكو أيضا مقرا لها. وتقوم المنظمة بتدريب نشطاء المجتمع الذين يرغبون في المشاركة مع الجماعات المحلية، التي تمتلك الإمكانيات المادية الكافية، والتي تتوافر لديها الخبرة والمعرفة الفنية، اللتين تمكنانها من إدامة هذه الجهود.
وقد بدأ أحدث فرع للواء الدلو في الخارج، عمله في كادالوري – الهند منذ عدة أسابيع فقط، حيث قام العاملون فيه بأخذ عينات من الهواء لفحصها في المختبرات لمعرفة التأثير الملوث للمصانع الكيماوية القائمة في المنطقة. وبعد إجراء الفحوص اللازمة تبين أن الوضع هناك في غاية السوء، وأن نسبة التلوث في تلك المنطقة تفوق تلك الموجودة في أفريقيا بعشر مرات على الأقل.
وبعد الحصول على تلك البيانات والمعلومات، فإن أعضاء الفرع يخططون للبدء في حملة لتوعية الجمهور، وجمع التأييد من أجل إحداث التغييرات المطلوبة.
وهم يأملون في أن تستفيد الهند من عمل اللواء كما استفادت منه منطقة مثل نوروكو في لوس أنجلوس منذ سنوات قليلة. ففي تلك المنطقة- نوروكو- كان السكان يشتكون من تلوث الهواء، ويطالبون بإعادة توزيع المباني، ونقل المباني السكنية القريبة من حدود المصانع إلى مناطق بعيدة، بمنأى عن الأخطار التي يمكن أن يتعرضوا لها، خصوصا بعد وقوع انفجار في إحدى المناطق السكنية أدى إلى مصرع شخصين.
في ذلك الوقت، ذهبت جميع النداءات الموجهة من قبل أعضاء اللواء لعلاج المشكلة بشكل سريع وحاسم أدراج الرياح، بل ووصل الأمر إلى حد قيام أصحاب تلك المصانع الملوثة للجو بالادعاء أنه ليست هناك حاجة تستدعي وضع مراصد للهواء، للتأكد من صحة الاتهامات التي يوجهها السكان إلى تلك المصانع.
تعليقا على ذلك تقول (آن رولف) مديرة فرع لواء الدلو في لويزيانا: في كل مكان في الولايات المتحدة الأميركية، بل وخارجها، هناك نوع من القصور المتعمد في المعلومات المتعلقة بالتلوث، والسبب في ذلك في رأيي يرجع إلى أن الصناعات لا تريد أن ترى الحقيقة.
وعندما بدأ سكان (نوروكو) التعاون مع أعضاء (لواء الدلو) في عام 1998، قاموا في البداية بتجميع أدلة عن الهواء، كانت المنشآت والمصانع العاملة في تلك المنطقة قد رفضت تقديمها من قبل. وكأن امتلاك هؤلاء السكان لتلك الأدلة سببا أدى فيما بعد إلى تعزيز وضعهم التفاوضي مع تلك المنشآت والمصانع، كما كان دافعا أيضا لتزويدهم بالثقة عند مواجهة موظفي المصافي.
وقد أدى ذلك في النهاية إلى إقناع مسؤولي المصافي بشراء المباني المقامة بالقرب من السور الخارجي المحيط بها ودفع قيمتها لقاطنيها فورا، كي يقوموا بالانتقال إلى مكان آخر، بعيدا عن مصدر التلوث.
والعلاقة بين ا