كنت أقول دائماً عندما أُسأل عن سبب الواقع المتواضع للإعلام العربي، أو عندما يحاول بعض من أجالسهم أن يعبروا عن ألمهم على تردي أوضاع الإعلام العربي، أن لا أكون مدافعاً عن مهنتي ونفسي وزملائي، بقدر ما أحاول أن أكون منطقياً في التعاطي مع الموضوع، مؤكداً أن الإعلام عادة لا يكون إلا انعكاساً للمجتمع. فالمجتمع المتميز علمياً، وتعليمياً، واقتصادياً، وتنموياً، وعملياً، لا يمكن له إلا أن يتوافر على إعلام متميز، يسير بالتزامن مع باقي مناحي الحياة. أما إذا تخلف التعليم، وتأخرت التنمية، وتراجع وضع الإنسان، فمن يرجو حينها إعلاماً متميزاً، يكون أشبه بمن يتطلب في الماء جذوة نارٍِ! واليوم أقول إن واقع الفتوى في مجتمعاتنا ليس خارج المنظومة السابقة بأي شكل من الأشكال.لا غرابة أن تتوالى غرائب الفتاوى، الواحدة تلو الأخرى، من رضاع الكبير، إلى قتل مُلاّك القنوات الفضائية، مروراً بفتاوى تكفير المثقفين، وليس نهاية بفتاوى جلد الصحافيين، في ظل منظومة التخلف التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، فالمفْتُون ليسوا نبتات شيطانية، تخرج على حين غرة، كما الكمأة، كما أنهم ليسوا مطراً يهطل من السماء، دون أن يكون له علاقة ابتداءً بالأرض، بل هم نتاج مجتمعاتنا، وأبناء تعليمنا، ومتعاطين مع تنميتنا... إن كانت ثمة تنمية يمكن الحديث عنها وتسطير الحروف بها! إن آلية صناعة المفتي، ومراحل تأهيل المتعاطي مع الأسئلة الدينية والاستفتاءات الشرعية، تعيش أوضاعاً صعبة، فلا المفتي يحقق اشتراطات الافتاء التقليدية الكلاسيكية من تصور ومعرفة وتحقيق وإحاطة بعلوم الآلة، تلك التي لم تتطور منذ مئات السنين، ليدخل عليها على الأقل علوم عصرية، ومعارف تقنية، ولا هو الذي تواصل مع المجتمع بالشكل الذي يجب أن يكون عليه. إن هذه المرحلة التي يمكن أن نستعير في تسميتها من السادة المعتزلة قولهم إنها "منزلة بين المنزلتين"، فلا المفتي عاش في التراث وعرف تفاصيله، وأدرك دقائقه، ولا هو من استطاع أن يواكب العلوم العصرية ويُحصّل تحصيلاً كافياً فيما يتعلق بالمتجدد من علوم الدنيا، فبقي في هذه المنزلة التي تجعله غير منتمٍ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ما يترك ندوباً على نفسيته، وشخصيته، وينعكس بطبيعة الحال على فتاواه وآرائه الفقهية، تلك التي تصدر بصرامة من كان يعتقد أن أمور الناس لا تُساس إلا بجملة من الإلزامات، ومجموعة من التحذيرات، ووعيد وتهديد. ولا يمكن لأحد أن ينكر أثر الثقافة المدنية والمجتمعية على فقهاء متقدمين كالإمام الشافعي، جعلت له مذهبين مختلفين من الشافعي العراقي إلى الشافعي المصري. لقد صبغت الثقافة وطبائع الناس ومستوى التعليم والتنمية والاقتصاد في مصر نفسها على آراء الشافعي، بعد انتقاله إليها من العراق. من هنا وجدنا علماء شريعة أجلاء في سيرهم الذاتية، طيبين في مقاصدهم، لكن آراءهم الفقهية كانت مدعاة إلى الضحك والسخرية، وغني عن القول إن النوايا الطيبة لا تكفي لتحقيق الصواب... أما إذا سألتم: لماذا؟! فسأجيبكم: لأنهم لم يعرفوا أبعد من بلدانهم، ولم يتجاوزوا أوطانهم، ولم يتعرفوا أن في هذه الكرة الأرضية ملايين المسلمين، الذين يخافون الله ويرجون رحمته ويحبونه تعالى، ولو لم يتبعوا صورة الرجل التي ظن أولئك المفْتُون الطيبون أنها الوسيلة الحصرية والوحيدة لبلوغ الجنة!