دُعيتُ إلى ندوة بمهرجان القاهرة للإعلام للحديث عن تجربتي -المتواضعة- في الحقل الإعلامي بدءاً من إذاعة المدرسة حتى النشر الإلكتروني مروراً بمحطة الوزارة كوزير للإعلام في هذه المسيرة. الندوة شاركت فيها نخبة إعلامية متميزة. محور الندوة كان الحديث حول الإعلام العام -بمعناه الواسع- والخاص بمعناه المحدد. المشاركة في الندوات المتخصصة تثير التوتر أكثر من الندوات الجماهيرية، فالمتخصص يعرف ما تقول -أو هكذا تفترض- بينما الحديث الجماهيري عامٌ، وبالتالي تراهن على درع العموميات في مواجهة النقد. والحق أن كثيراً مما يدور في هذه الندوات مكررٌ ولكنه لا يخلو من الجديد أحياناً. ارتبطت وسائل الإعلام في بداياتها بالحكومات، هكذا يتفق الجميع، ولكن يجادل البعض بأن هذا الرباط لا زال يربطهما حتى اليوم في كل مكان في العالم. الإعلام الرسمي يختلف عن إعلام الدولة، وإعلام الدولة يختلف عن إعلام الحكومة، ولتوضيح هذه النقطة سيقت "البي بي سي" البريطانية كمثال للإعلام العام للدولة ولكنها ليست إعلاماً للحكومة. طبعاً، جادل البعض ضد هذه النقطة مقدماً عدة أمثلة. لا مناص للدولة من الإعلام، فالحكومة البريطانية تلتقي الكتاب والصحفيين ووسائل الإعلام بشكل يومي وهي تدرك أهميتهم في توصيل سياستها ونشر "رسالتها". دارت في ذهني تساؤلات حول ما يسمى بـ"رسالة الإعلام". ترى! ما المقصود بها؟ وهل وصلت الرسالة الإعلامية يوماً؟ وهل تتوقف هذه الرسالة حال وصولها إلى المرسلة إليه؟ ومن ساعي البريد الذي يحمل هذه الرسالة؟ ولماذا نسميها رسالة؟ هل لهذه التسمية علاقة بتراثنا المتعلق برسل السماء؟ تطور الحال وصارت هناك مؤسسات إعلامية عربية خاصة. ينصب الجدل في معظمه حول الحرية حين الحديث عن العام والخاص، والحرية لا علاقة لها بالإعلام حصراً، فالإعلام واحد من وجوهها المهمة ولكنه ليس الوجه الوحيد من أوجه الحرية، ومن غير العدالة إلقاء كل مهمة تحقيق "الحرية" على وسائل الإعلام وحدها، فالمفترض أن يكون النضال من أجل الحرية مهمة مجتمعية، والإعلام الحر مؤشر على الحرية العامة في بلد ما. ازدادت الخطوط الدقيقة بين الحرية والفوضى غموضاً وكانت الخطوط بين القيود والتنظيم لوسائل الإعلام أكثر غموضاً وتماوجت خطوط مفاهيم الحرية تداخلاً وسقطت الحرية الإعلامية لدى بعض المشاركين في الندوة حتى في أعرق الديمقراطيات -وسيقت القيود الإعلامية الأميركية إبان حرب العراق مثالاً. دار جدل حول الاستقلالية الحقيقة لوسائل الإعلام العربية الخاصة. تذكرت كلمات مضحكة تعلو صفحات الكثير من جرائدنا العربية: "صحيفة- يومية- سياسية- مستقلة". تتساءل: كيف يمكن أن تكون سياسية ومستقلة في الوقت نفسه؟ ومتى كانت السياسة مستقلة؟ وماذا يعني أن تكون سياسية إن كانت فيها صفحات من الرياضة وحالة الطقس وحركة الطيران وركن المرأة والطلاب والشعر النبطي بل وحتى اسأل طبيبك واقرأ برجك؟ وكيف يمكن أن تكون مستقلًا؟ وهل في الصحافة شيء اسمه استقلالية؟ أوليس من الأسلم أن تكون الصحيفة جريئة وموضوعية ومحايدة بدلًا من الاستقلالية؟ وهل يعني الاستقلال أنها لا تستند على أحد حتى ولو كان من ناحية التمويل؟ وللتمويل حصة الأسد في حديث الندوة الذي "يلف ويدور" حول التمويل. فتمويل "البي بي سي" عبر الاشتراكات -فرضاً- فيه حجر لحرية الاختيار وتقطيع البرامج المتكرر بوسائل الإعلام الأميركية بشكل مضجر فيه فرض الذوق على المتابع قسراً، ولذلك طالب الكثيرون باستمرار وسائل الإعلام الرسمية الأميركية كالراديو العام (NPR) والتلفزيون القومي العام (PBS). ساد لديّ شعور بأن المشاركين في ندوة "العام والخاص" لا يؤمنون بالعام ولا يرون أن الخاص خاص، بل رأوا أن الاثنين وجهان لعملة واحدة -وخصوصاً في عالمنا العربي.