كما أوضحنا في سلسلة مقالات في "الاتحاد" خلال الأشهر الخمسة الماضية في تعليقنا على هذه الانتخابات الأميركية التاريخية فقد برزت بسرعة في مقدمة الواجهة ما سميت بظاهرة أوباما المعروفة اختصاراً بـ"أوبامانيا". وقد تساءلنا: هل يفعلها الناخب الأميركي حقاً، ويفاجئ نفسه والعالم معاً كما فاجأ نفسه قبل خمسة أشهر عندما حقق ما كان حتى قبل سنوات قريبة مستحيلاً بأن يختار حزب من الحزبين الرئيسيين الأميركيين مرشحاً للرئاسة أسود أو من غير البيض المعروفين بـ"الواسب"؟ وقد علقنا من واشنطن في مقال الأسبوع الماضي ونحن نرصد ونعيش أجواء الحدث كشهود على صناعة التاريخ، من أمام البيت الأبيض، وقد وصفنا ذلك اليوم الكبير بـ"يوم الحسم وكسر العظم". ونستطيع أن نقول اليوم، دون تحفظ، إن الأميركيين تفوقوا على أنفسهم وأذهلوا ذواتهم والعالم معاً عندما أوصلوا باراك حسين أوباما إلى البيت الأبيض وصنعوا بذلك التاريخ وسيعيشونه اليوم، وخلال السنوات الأربع القادمة، استمراراً لموجة تفاؤل عارمة يقودها اليوم الشباب الذين خرجوا بالملايين مع الحالمين والمحرومين والأقليات وكثير ممن صوت لأوباما من البيض بسبب الحالة الاقتصادية المتردية، وقد جعلت كل هذه القوى أميركا تتصالح مع نفسها وتاريخها وتكفكف جراح مظالمها بحق أقلياتها وخاصة السود الذين عانوا أكثر من غيرهم من الماضي العنصري الذي لم يمنحهم حريتهم من العبودية إلا قبل 150 عاماً، ولم يسمح لهم بالمشاركة السياسية والمواطنة الكاملة إلا قبل 4 عقود فقط. وبالتالي فإن أميركا اليوم تبعث برسالة مدوية كبيرة تفوح بمسحة من الأمل والتفاؤل، وكما قال أوباما نفسه فإن: "هذه لحظتنا، وهذا هو وقتنا". وبوعد التغيير هذا كان لشعار حملته "التغيير الذي نؤمن به" صدى كبير، وسمعنا مباشرة بعد إعلان النتائج في شوارع واشنطن التي لم تنم تلك الليلة الناس يرددون: "نعم نقدر... نعم نقدر" وكان ضمن تلك الجماهير من الشباب والشابات البيض أكثر بكثير من السود. والحال أن الالتفاف الشعبي حول أوباما في الداخل الأميركي والصدى الإيجابي لقرار الناخبين الأميركيين باختياره لدى الرأي العام الدولي في الخارج، لا يمكن أن يتم استيعابهما سوى بوضعهما ضمن نطاقهما الحقيقي. فقد كان انتصار أوباما حدثاً كبيراً حقاً بالنظر إلى الصعوبات والعوائق المرتبطة بعرقه وجذوره الإسلامية واسمه الغريب الذي لا ينتمي حتى إلى طبقة السود الأميركيين العادية، هذا إضافة إلى قلة خبرته وتعرضه لحملة تهجم شرسة وغير مسبوقة في سلبيتها ووقاحتها وقد وصل فيها التمادي إلى حد وصفه بـ"الإرهابي" و"الشيوعي" و"الاشتراكي" وحتى التشكيك في ولائه لموطنه. ولكن كل ذلك لم يقنع أغلبية الناخبين الأميركيين، ولغة الأرقام هنا لا تكذب. فقد جمع أوباما من تبرعات المواطنين الأميركيين العاديين مئات الملايين لتمويل حملته الانتخابية ولم يفز بفارق بسيط كما فاز بوش في انتخابات الرئاسة السابقة. بل فاز بفارق مدوٍّ وصل إلى 10 ملايين صوت زيادة على من صوتوا لماكين، كما رفع نسبة المشاركة الانتخابية إلى مستويات قياسية تجاوزت 65% ووصل عدد الناخبين الأميركيين بذلك الى 122 مليون ناخب صوت له أكثر من 65 مليوناً مقابل 57 مليوناً لماكين. وأكثر من ذلك فإن ثلثي المقترعين كانوا من غير السود حيث صوت له البيض من الشباب خاصة والمهنيين والنساء، وكذلك اختاره الناخبون من الأقليات العرقية من الأصول الإسبانية بأعداد كبيرة تجاوزت الثلثين، وكذلك العرب والمسلمون الأميركيون الذين أبلغتنا قيادتهم بأنهم صوتوا لأوباما بنسب تتجاوز 80%. وبهذه الطريقة نجح تسونامي أوباما في تمكين "الديمقراطيين" من السيطرة على مقاليد النظام السياسي الأميركي برمته. حيث زادوا من أعدادهم في مجلس النواب بأكثر من 20 نائباً، وكذلك رفعوا أعدادهم في مجلس الشيوخ بسبعة سيناتورات ليملكوا أغلبية مريحة تمكنهم من تمرير مشاريعهم وبرامجهم وقوانينهم وتحقيق خططهم وبرامجهم دون كبير عناء على الأقل خلال العامين القادمين، وحتى موعد انتخابات التجديد النصفي في عام 2010. والراهن أن موجة الأمل والتفاؤل بوصول أول رئيس أسود للبيت الأبيض بعد أن تعاقب عليه 43 رئيساً أبيض خلال أكثر من قرنين تجد مبررها القوي في حجم التغيير الحاصل، وهو تغيير يحسن من صورة أميركا ويجعل رؤساء وقادة من أمثال مانديلا وساركوزي وقرضاي -وحتى نجاد- يحيون ويعترفون بحجم هذا التغيير وتلك الشجاعة السياسية. ولاشك أن هذا الشعور العام بالخلاص الأميركي القريب كان دافعه ومحركه الأول هو إرث وسياسات الرئيس بوش في الداخل الأميركي خاصة التي كرست فيه التراجع اقتصادياً والتخندق سياسياً خاصة في صفوف الحزب "الجمهوري" الذي أصيب بانتكاسة كبيرة وحقيقية منذ عام 2006 عندما عاد "الديمقراطيون" وسيطروا على الكونجرس، وعززوا من قبضتهم الحديدية عليه بعد انتخابات الثلاثاء الماضي ليتحكموا بمفاصل السلطتين التنفيذية والتشريعية معاً، وليهمشوا الحزب "الجمهوري" الذي ما زال يلعق مرارة الهزيمة المدوية. أما الآن بعد انتخاب أوباما، وتحول الحلم إلى حقيقة، فإن المشهد السياسي والاجتماعي الأميركي ما زال يعيش فترة حلم وردي لا يريد الأميركيون انتهاءها، وتشاركهم في ذلك بقية شعوب وأنظمة العالم، التي ستبدأ في التعرف أكثر فأكثر على توجهات أوباما وإدارته التي بدأ في تشكيلها. ولكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن وجود تحديات كبيرة ومعقدة في الداخل تنتظر الرئيس الجديد بإلحاح. وهي تحديات تبدأ بكارثية الشأن الاقتصادي المأزوم، ولا تنتهي بضرورة معالجة التشريعات التي تتجاوز الأعراف والحقوق المدنية. أما في الخارج فهنالك تحديات روسيا والصين وكوريا الشمالية والعراق وإيران والإرهاب. ولذا يمكن القول إن الكثيرين سيبدأون بامتحان أوباما، لمعرفة مدى صلابته، ولعل في مقدمة هؤلاء الرئيس الروسي ميدفيديف الذي كان أولهم بتحذيره واشنطن من أنها إذا واصلت نصب شبكة الصواريخ والرادارات في بولندا وجمهورية التشيك فإن روسيا ستوجه صواريخها تجاه الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي "الناتو". وأخيراً لقي سؤالنا جوابه المناسب. فقد تحقق الحلم وفعلها الناخب الأميركي وأصبح أوباما رئيساً. ولكن نخشى أن يكون ذلك هو الجزء السهل واليسير من مهمة أعقد وأصعب بكثير. إلا أن نشوة النصر وفرحة الفوز لا تزال مع ذلك فتية، ويُخشى أن يصدمها الواقع المؤلم الذي سيطل برأسه في وقت ليس بالبعيد. شكراً أميركا وشكراً للتفاؤل والتغيير.