منذ عشر سنوات، تم استبدال نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الذي كان سائدا في جنوب أفريقيا بنظام حكم الأغلبية، عن طريق الوسائل السلمية. وقد منحنا ذلك مكانة معنوية وأخلاقية عالية، كما أنه يجعل من تجربتنا نموذجا يحتذى بالنسبة للعديد من المجتمعات التي تعاني من الانقسام، ويثبت لتلك المجتمعات أنه من الممكن التغلب على الصراع ومشاعر المرارة.
بيد أن تحقيق كل ذلك يتوقف على استمرار نجاح مجتمعنا، وهو ما يحتاج منا إلى وقفة للتأمل. فعلى رغم أن أداءنا كان جيدا في الجوانب الدستورية والاقتصادية خلال العشر سنوات الأخيرة، إلا أننا لا زلنا نواجه تحديات ضخمة.
وفي الوقت الذي نتوجه فيه لإجراء انتخابات ديمقراطية للمرة الثالثة منذ أن انتهى نظام الفصل العنصري عندنا، فإن الحقيقة التي لابد أن نواجهها هي أن تحولنا الدستوري، وتقدمنا الاقتصادي، لم يكن لهما سوى تأثير ضئيل على حياة نصف شعبنا على الأقل. فصحيح أن هؤلاء، قد أصبحوا الآن يمتلكون صوتا، إلا أن غالبيتهم ليست لديهم وظائف، ولا حتى سكن لائق. وصحيح أيضا أنهم قد أصبحوا يتمتعون بكل حقوق الإنسان، إلا أنهم لا يزالون يعانون من الفقر والفاقة والحرمان. لقد قُدمت لهم وعود براقة، بأنهم سيمتلكون العالم بأكمله إلا أنهم لم يمتلكوا سوى الفتات. وبالنسبة للكثيرين منهم، فإن هناك أشياء قليلة هي فقط التي تغيرت: فالسكان البيض لا يزالون هم الذين يمتلكون المنازل الكبيرة، والوظائف المحترمة، والسيارات الفاخرة، ويمتلكون بالإضافة إلى ذلك ما يزيد على 80 في المئة من الأراضي المزروعة في البلاد.
بالطبع، هذه ليست الصورة بالكامل. ففي الحقيقة أن ما يزيد على 50 في المئة من الطبقات المتميزة في جنوب أفريقيا هم من السود. لقد حقق السود في جنوب أفريقيا تقدما ثابتا خصوصا في الرتب الوسطى من القطاع الخاص، كما أنهم يسيطرون بقوة أيضا على القطاعين الحكومي والعام. مع كل ذلك، فإننا لا نزال بعيدين عن تحقيق الكرامة الإنسانية والمساواة، وتعزيز حقوق الإنسان، ومبدأ الحرية للجميع، وهي تلك المبادئ التي وردت في المادة الأولى من دستورنا.
إن الطريقة التي سنتعامل بها مع التحولات الدستورية والاقتصادية خلال العقد القادم من الزمان، هي التي ستحدد مسار نجاحنا الطويل الأمد. إن المشكلة تكمن في أنه لم تكن هناك في الأساس مفاوضات بشأن الكيفية التي يمكننا بها معالجة التحديات المعقدة التي نتجت عن عملية التحول إلى اقتصاد ومجتمع يمثلان حقا التنوع السكاني الموجود في جنوب أفريقيا. وكانت النتيجة أن هذا التحول قد أدى إلى تقسيم مشاعر وعواطف السكان، بدلا من أن يقوم بتوحيدها.
فعلى سبيل المثال، نجد أن الأقليات سواء من البيض أو الملونين أو الهنود يفهمون سياسة التحول على أنها نوع جديد من التفرقة العنصرية، في الوقت الذي يعتبر السود أنها نوع من التعويض الذي تأخر كثيرا عن موعده، عن المظالم الرهيبة التي عانوا منها طويلا في الماضي. المشكلة هنا هي أنه نادرا ما يقوم أحد بإجراء حوار صريح حول هذا الأمر. فالكثيرون من البيض يعبرون علنا عن تأييدهم- السليم سياسيا والمشروط مع ذلك- لسياسة التحول... في الوقت نفسه الذي يقومون فيه سرا بتقديم النصائح لأبنائهم بالحصول على مؤهلات دولية والهجرة إلى الخارج. من الناحية الأخرى، نجد أن العديد من السود في جنوب أفريقيا ينظرون إلى ذلك التحول على أنه جواز مرور إلى الثروة والتقدم الشخصي، بدلا من النظر إليه على أنه عملية الهدف منها معالجة المظالم وجوانب عدم المساواة الكامنة في مجتمعنا.
إننا بحاجة إلى نوع من المفاوضات والتسويات والاتفاقيات بشأن التحول الاقتصادي والاجتماعي، مثل ذلك الذي كان لدينا عند قيامنا بإجراء عملية التحول الدستوري منذ 10 سنوات خلت. بكلمات أخرى إننا بحاجة إلى العمل من أجل التوصل إلى وفاق وطني.
أولا، إننا نريد تحولا أصيلا، يقوم خلال عشر سنوات من الآن بتقديم حلول جذرية لمشكلات الفقر والفاقة والحرمان، ويقود بصورة طبيعية وسلسة إلى العديد من المؤسسات التمثيلية.
ثانيا، إن هذا التحول يجب أن يتم ضمن إطار القواعد الأساسية التي تحكم الاقتصاد المعولم. وأية محاولة لإجراء تقليصات كبيرة في حقوق الملكية ، والحريات الاقتصادية، أو المعايير الأساسية للإدارة ستحول بين جنوب أفريقيا وبين التنافس بشكل فاعل مع الدول الأخرى، وستؤدي بالتالي إلى تهميشنا اقتصاديا في النهاية.
ثالثا، إن اقتصادنا ومجتمعنا يجب أن يتم تحويلهما بطريقة لا تؤدي إلى تقويض وحدتنا الوطنية، ولا تؤدي إلى حدوث احتكاكات بين المجموعات العرقية التي يتكون منها مجتمعنا.
لقد أثبتنا نحن الجنوب أفريقيين منذ عشر سنوات أننا قادرون على التوصل إلى اتفاقيات تاريخية بشأن التحديات التي كانت تواجهنا في ذلك الوقت. والآن نحن نحتاج إلى أن نفعل الشيء نفسه مرة أخرى. إنني واثق من أننا إذا نجحنا فإننا سنكون قادرين على لعب دور قيادي وعلى درجة كبيرة من الأهمية في أفريقيا، وأننا سنكون قادرين