رُب ضارة نافعة: أهم ما جاءت به قصة المبادرات الأميركية والخارجية للإصلاح والديمقراطية في العالم العربي ليس مضمونها، بل طرحها المسألة على أجندة الاهتمام والبحث العربية بقوة وإلحاح غير مسبوقين. فالسجال الذي أججته واستمرار الجدل حولها وحول ضرورة الإصلاح هو أمر حميد، إن على صعيد النخب الحاكمة أو النخب المفكرة أو الإعلام والرأي العام العربي بشكل عام. لكن هل يمكن أن يكون هذا السجال المهم والضروري سحابة صيف عارضة، يخفت بعد فترة من الزمن مخنوقاً بالتبرم واليأس التقليديين من حدوث أي تغيير حقيقي أو حتى نسبي؟ ليس بالضرورة، بل ربما أمكن القول إنه لم يعد بالإمكان إغلاق الملف بعد أن فتح بهذا الاتساع من دون حدوث تحرك إيجابي تغييري على جبهة الإصلاح والدمقرطة. ليس السبب الوحيد في ذلك هو أن الملف قد فتح وحسب، بل لأنه انفتح على قضايا تعفن وتناقضات طال بها الزمن وهي كانت ستنفجر في وجوه القائمين على الأمر بأي حال من الأحوال وكتحصيل حاصل لتراكم طبيعي لابد أن يجد له تصريفا ما.
واحدة من تلك التناقضات الحادة هي مسألة علاقة الأنظمة الحاكمة بالأجيال الجديدة في المجتمعات العربية. الأنظمة الحاكمة، وكما نعرف جميعا، هي صيغ عتيقة من الحكم عفى عليها الزمن، وقد استطاعت أن تصمد في مواقعها جراء تلاقي ظروف تاريخية، داخلية وخارجية، شبه نادرة.
داخليا، في المجمل وعلى تنوع في الدرجة وليس في المضمون، هي حصيلة توازنات محلية عشائرية أو طائفية في المقام الأول، حتى لو اختفت في بعض الأحيان وراء قشرة حزبية ظاهرية، تولدت خلال وعشية تفكك أنظمة الاستعمار الغربي المباشر في المنطقة وهكذا. وخارجيا، احتفظت بعلاقات طفيلية ووظيفية مع مراكز المتروبول الاستعماري، الذي صاغ معها تحالفات مختلفة الشكل مبنية على تبادل المنافع في أجواء توازنات الحرب الباردة. لعبت عناصر إدامة تصدير الثروات الطبيعية والحفاظ على وجود وأمن الدولة العبرية المزروعة في قلب المنطقة من قبل الاستعمار المغادر أدوارا مهمة في تشكيل أسس اشتراطات التحالفات التي ضمنت في المقابل دعماً جوهرياً للأنظمة الحاكمة. لم يكن بإمكان تلك الأنظمة البقاء على قيد الحياة من دون توافق مصالح تاريخي ومهم بين السلطات والخارج الغربي الذي ارتاح لفكرة التعاون مع أنظمة غير ديمقراطية ولا تخضع للمحاسبة الداخلية وذات صبغة عشائرية وأبوية في المجمل العام.
لأكثر من ستين عاماً تعايش الغرب مع تناقضه الفكري والأخلاقي الكبير في دعمه لأوضاع قائمة كهذه مناقضة لألف باء الحداثة السياسية التي جاء مبشرا بها في طول وعرض البلدان التي خضعت للاستعمار. ولأكثر من ستين عاماً تمكنت تلك الأنظمة أيضا من التعايش مع تناقض فكري وأخلاقي وعملي آخر، من ضمن تناقضات كثيرة، هو ولادة ونشوء أجيال جديدة تنتمي إلى عالم وفضاء سياسي واجتماعي وثقافي وتعليمي غير الفضاء الذي تفرضه الأنظمة الحاكمة. منبع هذا التناقض التعليم والإعلام بشكل أساسي. فعبر هذين المجالين كان أن توسعت مدارك أجيال نشأت وتربت على تناقض حاد بين أوضاع داخلية متخلفة وعتيقة، وعالم خارجي يتقدم بخطى حثيثة في كل المجالات. التعليم الذي تباهت الحكومات المتعاقبة في المنطقة العربية بأنها عممته ووفرته لكل الطبقات أنتج أجيالا متعلمة صارت تنظر بازدراء، نتيجة تراكم تعليمها واطلاعها، إلى أنظمتها السياسية. مع تعقد التواصل العالمي وتكثفه، بالإعلام المتلفز ثم لاحقاً بالإنترنت وغيره، وتراكم الثروة وسهولة السفر والتنقل وأفواج الألوف المألفة المسافرة للخارج من أجل التعليم العالي تعقدت المسألة أكثر. إذ أصبحت المقارنة بين الداخل والخارج أكثر حدة. الأنظمة تريد أن توسع من نطاق التعليم بما فيه التعليم العالي آملة في أن يصب ذلك في خطط التنمية التي تشرف عليها، أو في خطط الدعاية والحشد التي تريد أن تثبت من خلالها أنها تعمل ليل نهار لخدمة المجتمع، أو لكلا الأمرين معا. لكن هذا التوسع في التعليم، وانفلات نطاق المعرفة عن سيطرة الأنظمة الحاكمة، وحتى سيطرة النظم الاجتماعية والثقافية المتوارثة، أحدث تغييرات عميقة في شرائح الأجيال الجديدة، وأنشأ تناقضا حادا بينها وبين الأوضاع القائمة في البلدان العربية، سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
في السنوات الماضية كان بالإمكان السيطرة على ذلك التناقض وضمان عدم تفاقمه ووصوله إلى حدود الانفجار عبر ظروف وتغيرات خففت من حدته وأخرت من انفجاراته. أهم تلك الظروف مسائل الصراع مع إسرائيل، وأولوية إحداث التنمية على الانخراط في أي تغيير سياسي محلي له علاقة بالديمقراطية أو الإصلاح. الفكرة الأساسية هنا كانت تقول إن البلدان العربية، وكما هو الحال في معظم البلدان النامية، تمر بمرحلة انتقالية تتقدم فيها أولوية التنمية على الديمقراطية والحرية السياسية. الآن، وبجردة حساب سريعة، لا نحتاج إلى دراسات معمقة لنرى أن التنمية الموعودة لم تتحقق، بينما استمر تغييب الوضع الديمقراطي – خاصة مع المقارنة بدول جنوب شرق آسيا التي نهضت وت