عقد منتدى جريدة الاتحاد" السنوي هذا العام تحت عنوان: "الدين والمجتمع في العالم العربي"، وقدمت فيه أوراق عمل رصينة، رصدت الظاهرة، بعضها تناول إشكالية الدين والسياسة في المجتمع؛ مثل ورقة الدكتور برهان غليون، أو ما أثير في الغرب حول مفهوم التعارض بين الإسلام والديمقراطية مثل ورقة السيد يسين، وحملت بعض هذه الأوراق مصطلحات تبدو مرتبكة وملتبسة مثل "الإسلام الليبرالي"! ولا أدري مدى قبولية هذا المصطلح في المرجعيات الإسلامية التي ترى أن الإسلام إسلام، ليس فيه ديكتاتورية أو ديمقراطية! وبعض تلك الأوراق ركز على ترجمات لكتب وضعت عن الإسلام الحديث، وظهر مصطلح "الإسلام المدني الديمقراطي"! وربط البعض بين العلمانية والإسلام بمصطلح "العلمانية الإسلامية"! وهو مصطلح أيضاً يلتبس على كثيرين من الذين ينظرون للإسلام بمنأى عن أية إلحاقات وضعية وخصوصاً أنها تأتي من الغرب. كما تطرق المنتدون إلى الرسالة العامة "الإسلام هو الحل"، حيث كشفت إحدى الأوراق أن تطبيق النموذج الإسلامي الإيراني ليس من شأنه أن يحل مشكلات المجتمع، بل يجب نشر فشل الحكم الإسلامي في إيران وعلى نطاق واسع. كما تم ربط موقف الولايات المتحدة من قضية الديمقراطية في العالم الإسلامي، حيث بدا التناقض واضحاً في هذا الموقف (بين رفعها شعار الديمقراطية من ناحية، ورفضها لنتائج الانتخابات الديمقراطية من ناحية أخرى؛ لو جاءت بإسلاميين ترى فيهم تهديداً لمصالحها القومية). ونحن نعتقد أن حرج أو تناقض الولايات المتحدة في طرحها قيم الديمقراطية من جهة، ومساندتها لأنظمة غير ديمقراطية من جهة ثانية، هو السبب الرئيسي لعدم موثوقية الحركات الليبرالية بها أو ببرامجها الإصلاحية التي ما انفكت تعلن عنها حيناً وتتناساها أحياناً أخرى. والموضوع الثاني المهم في جلسات المنتدى هو إخفاق الحداثة العربية وصعود التدين في العالم العربي. وقدم فيه الدكتور حسن حنفي ورقته حول الحداثة الأوروبية والمقومات التي استندت إليها تلك الحداثة حتى عصر النهضة، مختتماً بأن عصراً جديداً أو دورة جديدة للحداثة في طريقها نحو التبلور. ويرى الدكتور رضوان السيد أن تيارين قد تبلورا أو أنهما قيد التبلور بين النخب وليس بين العامة، هما التيار الإصلاحي والتيار السلفي وكلاهما يعمل في مواجهة التقليد الإسلامي. وأنه ليست بينهما أية علاقة سوى اتحادهما في مواجهة عدو واحد هو: التقليد الإسلامي. ويرى صاحب الرؤية أيضاً أن هنالك مشروعاً قد بدأ في الظهور وهو: الإحياء الإسلامي، وهو تيار نخبوي وشعبي هدفه صون الهوية الإسلامية للمجتمع والدولة، وله ثلاث أولويات: مكافحة التحديث والتغريب، ومكافحة الميول الحداثية للاصلاحيين، واصطناع نموذج للحياة الإسلامية الصالحة في شتى المجالات. وتعتمد الرؤية على تعلم ما يأتي من الغرب، وصناعة منهج لمكافحته، ويسلك أصحاب هذه الرؤية مسالك شتى لكسب الأنصار ويعمدون إلى إنشاء أحزاب وحركات متعددة مثل: "الإخوان المسلمين" بمصر، و"الجماعة الإسلامية" بباكستان، وكان لتدخلهم في الحياة العامة أن اصطدموا برموز الحياة السياسية أو الأحزاب السياسية من جهة وبالنظام من جهة أخرى. ومن نماذج بروز التيارات الإسلامية تبلور ثلاثة تيارات سُنية مثل: الأصولية الإحيائية التي تحدثنا عنها، والسلفية: وهي الإسلام التقليدي وتتمازج مع الأصولية والإحياء الصوفي. كما يشكل الصعود الشيعي الديني والسياسي مشكلة للإسلام التقليدي، وهنالك حرب جديدة نشبت قبل فترة قصيرة بين أعلام من الإسلام السني وأعلام من الإسلام الشيعي، وتبادل الطرفان الاتهامات. وتخلص الرؤية إلى أن الإسلام الصحوي -وهذا مصطلح جديد- أيضاً هو نتاج للحداثة وليس من نتاجات فشلها. وفي جلسة أخرى كانت هنالك ورقة مهمة حول "الجماعات الدينية وتأثيرها على الاستقرار السياسي.. منطقة الخليج نموذجاً" للدكتور عبدالحميد الأنصاري. وقد تطرقت الورقة إلى قضية تسييس الدين انطلاقاً من مقولة شعبية تقول: "الدين طير حر، من صاده قنص به"! وترى الورقة أن "تسييس الدين هو الآفة الكبرى لمجتمعاتنا، والمعوق الأخطر لتجاوز التخلف. وأن أسوأ ما يمكن أن يصاب به مجتمع بشري هو أن يتحول علماء الدين إلى علماء في السياسة والاقتصاد، وإلى مزاحمة أهل السياسة والاقتصاد واللعب في ملاعبهم وهم غير مؤهلين، فهم يفسدون بعملهم هذا، الدين، كما أن السياسة تفسدهم". ونحن نرى أن قضية "احتماء" النظم بالرموز الدينية هي إحدى أهم الوسائل التي اتخذتها بعض النظم كي تبرر وجودها وتدافع عن صيرورتها. ومن الوقفات المهمة في ورقة الدكتور الأنصاري تعريفاته للجماعات الدينية في الخليج - والتي اعتبرت (التعريفات) كسباً جديداً للقاموس العربي. فتحدث عن الجماعات السلفية، وتصف الورقة اتجاهات هذا التيار وتوجهاته. وهنالك السلفيات (المستأنسة) وهي ما عليه اليوم رجال من المؤسسة الدينية الرسمية وهي تواجه "الفئة الضالة" التي تقوم بعمليات إرهابية. وهنالك سلفية "سياسية" وهي الناشطة في العمل السياسي في دول مثل الكويت والبحرين. وسلفية "جهادية" وهي تتبنى فكر "القاعدة" وتمثل (الخوارج) في عصرنا. كما تتطرق الورقة إلى نشاطات وممارسات "الإخوان المسلمين" في دول الخليج. كما أن هنالك فئة تسمى "حركة الصحوة الإسلامية" وهي فئة منشقة عن التيار الإخواني، وتسعى للتوفيق بين الفكر السلفي والفكر الإخواني. وتتطرق الورقة إلى الشيعة في الخليج ونشاطاتهم وأسماء جمعياتهم في دول مثل البحرين. وما يحمد للورقة أنها تطرقت إلى مفهوم المواطَنة؛ وأنه على رغم وجود نصوص توضح هذا المفهوم في الدساتير الحديثة لدول الخليج؛ إلا أن الباحث يرى أن "المواطَنة مفهوم غير راسخ في قناعات الجماعات الدينية التي تحاول تغليب الولاءات الدينية والطائفية والمذهبية عليها". وفي حقيقة الأمر، فإن العديد من الجماعات الدينية التي تتحالف مع الأنظمة - برموزها الآتية من الخارج- تجد في تأصيل وتأكيد قيم المواطنة تهديداً لوجودها، فهذه الجماعات لها أجنداتها المسيسة، وتنال دعم الأنظمة، بل وتستخدمها في مواجهة المطالبات الإصلاحية -ومنها تحقيق مؤسسات المجتمع المدني الذي يلزم الدولة بضمان حقوق المواطن قبل التزامه بالواجبات- لذلك نجد أن عدم تحقيق المواطنة على أسسها الصحيحة قد أدخل دولاً في أتون عدم استقرار طائفي، وهو يهدد الأمن والمجتمع في آن واحد! وتعارض الورقة توجهات الدول الخليجية نحو استشراء ثقافة الطائفية واحتماء الأفراد بالطائفة والقبيلة للمؤازرة والكسب بعيداً عن الانغماس في المواطنة التي يستظل بظلها الجميع. وعلى علاقة بالموضوع تناولت ورقة الأستاذ عبدالله بن بجاد العتيبي نفس العنوان ولكن من وجهة نظر أكثر شمولية حيث رصد الباحث أربعة تيارات إسلامية في منطقة الخليج هي: تنظيم "الإخوان المسلمين"، والتنظيم السروري، والتيار السلفي، والتيار السلفي الجهادي والقاعدة. ولعل التنظيم السروري هو الجديد الذين أثار النقاش. وهذا التنظيم ينسب إلى إخواني سوري منشق اسمه: محمد سرور بن نايف زين العابدين الذي قدم للسعودية عام 1965 وعمل مدرساً بالمعهد الديني ومارس التبشير بدعوته وتتلمذ على يده العديد من الفقهاء اليوم. ويتلخص مذهبه في محاولة الجمع بين العقيدة المحلية كأولوية، وبين آليات "الإخوان" الحركية في تجميع الشباب والتأثير في المجتمع، إضافة إلى الاهتمام السياسي والتعامل الواقعي مع المستجدات. ويعد هذا التيار اليوم من أكبر التيارات الدينية في الشارع الخليجي كما تقول الورقة. ومن أفكار هذا التيار المهمة اعتبار "جميع الحكومات المعاصرة حكومات جاهلية كافرة، ويسعى لاستئناف الخلافة الإسلامية من جديد". ويرى الباحث أن هذا التيار يتصارع في داخله بين ثلاثة أجنحة هي: جناح الحراسة (حراسة العقيدة والأخلاق والمجتمع والعادات لتبقى كما هي)، وجناح التثوير (وهو يقترب من أطروحات القاعدة والسلفية الجهادية)، والجناح الإصلاحي (ويسعى للانفتاح نحو أفق متسامح جديد). ويفند الباحث مراحل علاقة هذا التنظيم مع السلطة. ويختتم الورقة بالأولويات المغلوطة في الخطاب السلفي المعاصر في الخليج. وبعد، فلقد خرج المنتدون بحصيلة من المعلومات التي لم يتم التطرق إليها من قبل في مناخ من الحرية والانفتاح وعدم تناسي الآخر -المتمثل في التيار الإسلامي- وحقه في طرح أطروحاته ومناقشتها بأسلوب علمي هادئ يقبل الآخر ولا يرفضه. لقد كان منتدى "الاتحاد" واحة جميلة ليومين، تعرف خلالها كتابها من جديد على بعضهم بعضاً، كما تعرفوا على حقيقة الأوضاع السياسية والدينية في منطقة الخليج التي تبدو لكثيرين منطقة معزولة وعائمة على بحر النفط فقط.