عندما التقي وغيري من الزملاء الكتّاب ببعض المواطنين يهيلون علينا سيلاً من التساؤلات: لماذا لا تكتبون عن التركيبة السكانية؟ لماذا لا تكتبون عن التوطين؟ لماذا لا تكتبون عن المساكن الشعبية ولا تكتبون عن البيوت؟ لماذا لا تكتبون عن المواطنين المتورطين بالقروض والمهددين بالسجن؟ لماذا لا تكتبون عن العنوسة فالبنات يملأن البيوت والشباب يتزوجون بالأجنبيات؟ لماذا لا تكتبون عن التعليم الذي صرنا لا نعرف من أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي؟ لماذا لا تكتبون عن البلد الذي امتلأ بالجنسيات من كل العالم؟ لماذا لا تكتبون عن الأجانب الذين صاروا يزاحمون الشباب المواطنين في الوظائف؟ لماذا لا تكتبون عن المسؤولين الذين همشوا في وظائفهم وهم في قمة عطائهم؟ لماذا لا تكتبون عن المشاريع العقارية التي ملأت البلد وخنقت المواطنين؟ لماذا لا تكتبون عن المشكلات الإدارية والنفسية التي صار الموظف المواطن يعاني منها؟ ولماذا لا تكتبون عن مشكلات الأم العاملة التي تلقى التجاهل من المسؤولين؟ لماذا لا تكتبون عن التحديات التي يواجهها شبابنا وبناتنا في هذا المجتمع الخليط؟.. وكثير من "اللماذات" الأخرى. وهم محقون في طرح تلك الأسئلة ولكنني أسألهم: وأنتم لماذا لا تتكلمون عن هذه القضايا وتناقشونها في المكان الذي يجب أن تتكلموا فيه؟! لماذا لا يقوم كل واحد بالدور المنوط به في المكان الذي هو فيه؟! لماذا لا نكون جميعاً عناصر إيجابية وفاعلة في المجتمع نؤثر فيه كما نتأثر؟! هذه الموضوعات وغيرها تكلمنا عنها في فترات مختلفة وبلا شك أنها قضايا مهمة يراها ويشعر بها كل مواطن ومقيم في الإمارات، ولكن يجب على المواطن أن لا يكتفي بدور الرقيب العتيد والناقد العنيد الذي لا يعجبه أي شيء ويريد غيره أن يقوم بدلاً منه بكل شيء... فالبعض يكتفي بالانتقاد وطرح التساؤلات ويبحث عمن يتبنى القضية بدلاً منه... فإذا كان المواطن يشعر بأن هناك قضايا مهمة مقلقلة فيجب أن يساهم في طرحها أولاً ثم في إيجاد الحلول لها وأن يتخلى عن التواكل في كل شيء فصحيح أن للصحافة وللإعلام دورا في طرح القضايا المهمة والمصيرية ولكن في مجتمع كالإمارات يتميز بوجود شيوخ ومسؤولين أبوابهم مفتوحة وصدورهم رحبة يستمعون إلى من يأتيهم بالملاحظة السليمة بالحكمة والأسلوب الحسن، فلا شك سيجد من يستمع إليه ويهتم برأيه. يجب أن يعرف كل مواطن أن عليه مسؤولية تجاه هذا الوطن وهذا المجتمع ويجب أن يؤدي دوره على أكمل وجه، سواء أكان مسؤولاً في عمله أو أباً في منزله أو مواطناً في الشارع... فنحن نعيش في وطن واحد ومجتمع واحد وما يصيب الآخرين يصيبنا والإمارات اليوم تمر بمرحلة جديدة من البناء والتطوير البعض مقتنع بها ومشارك فيها ومدافع عنها ويرى أنها تأخذ البلد خطوات كبيرة إلى الأمام... والبعض الآخر يرى أنها مرحلة تأتي بكثير من السلبيات والمشكلات التي نحن في غنى عنها. ومهما كان رأي كل فرد ومع أي الفريقين كان، يجب أن لا يغيب عن باله أن ما يحدث يخصنا جميعاً ونستفيد منه جميعاً أو نتضرر منه جميعاً. نحن اليوم بحاجة أكثر من أي يوم مضى لأن نحب وطننا أكثر ونتمسك باتحادنا أكثر وأن نعشق علم هذا البلد أكثر وأكثر... بلا شك أن الحياة المادية التي يغرق فيها البعض تنسيهم أموراً كثيرة مهمة في الحياة وتنسيهم واجباتهم تجاه وطنهم وأبناء بلدهم ومستقبل دولتهم، ولكن هذه الحالة يجب أن لا تطول وهي لن تطول أصلاً فلابد أن يأتي وقت يتنبه فيه الإنسان إلى الحقيقة ويتخلص من السراب، والوطن دائماً هو الحقيقة الكبرى ومهما كثرت التحديات لا يمكن إلا أن يزيد تمسكنا بالوطن والعبارة الشهيرة التي قيلت قبل مئات السنين "سواء كان وطني على حق أو على خطأ يبقى هو وطني"، يجب أن يدركها كل مواطن لأنها تعني أن لا نعتقد أن هناك مبرراً يسمح لنا بأن نتأخر في أداء واجباتنا نحو وطننا. صحيح أن الإمارات اليوم لم تعد كما كانت منذ سنوات قليلة. لكن يجب أن نستوعب أن التغير سُنة الحياة وما يحدث من تطوير وبناء وعمران يحدث في كثير من دول العالم وبلا شك أن له سلبياته على الفرد والمجتمع ولكن هذا لا يعني أن يستسلم الإنسان بل عليه أن يتفاعل مع التغيير بالطريقة التي تناسبه.. فهذه ليست أول مرحلة تغيير تمر بها الدولة -وإن كانت هي الأولى التي تمر على بعض المحتجين- فقد شهدنا رحلة تغيير كبرى في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وسنشهد تغييرات أخرى في العقدين أو الثلاثة عقود القادمة. فالحياة تتغير والعالم يتطور وإن لم يكن التغيير دائماً كما نهوى إلا أن التغيير دائماً يأتي وهو أقوى ممن يواجهه ولا يربح إلا من يتعايش معه ويصحح أخطاء هذا التغيير، فليست هناك عملية تغيير سليمة ونظيفة فلابد من بعض الأخطاء وبعض الشوائب التي يجب إزالتها أولاً بأول وهذا هو دور كل فرد في المجتمع لا أن يكتفي بالانتقاد والتركيز على الأخطاء والسلبيات. من يريد أن يعيش في إمارات السبعينيات أو الثمانينيات أو التسعينيات يجب أن يتنبه سريعاً إلى أنه يريد أن يعيش في الأوهام فنحن نعيش في القرن الحادي والعشرين الذي تغيرت فيه كثير من الأمور... فلا يمكن أن نعيد أنفسنا إلى عقود مضت وإنما كل ما على الإنسان فعله هو أن يعيش واقعه الجديد بالمحافظة على العادات والتقاليد والأخلاق والقيم وثوابت المجتمع وهويته، أما ما حولنا فلا يمكن إلا أن نقبله وهو يتغير لأنه سيتغير شئنا أم أبينا. يجب أن يتذكر كل مواطن دائماً أننا أمام تحد كمجتمع إماراتي بأن نكون موجودين أو لا نكون، وقرار أن نكون أو لا نكون بأيدينا نحن كمواطنين. ومن يدعي حبه وولاءه لوطنه لابد أن يدرك أن "الوطن ليس فقط لمن يستفيد منه ويربح من ورائه وإنما الوطن لمن يحبه ويضحي من أجله"... ولمن يعمل دائماً من أجل حمايته ومن أجل تقدمه... وهذه ليست شعارات وإنما حقيقة ربما لا يشعر بها اليوم بعض من جعلوا المادة هي أساس علاقاتهم وكل شيء في حياتهم... فلنحب وطننا كما أحبنا كثيراً... ولنعطه كما أعطانا لسنوات طويلة.