المنتدى السنوي لجريدة "الاتحاد" ناقش علاقة الدين بالمجتمع، وهو موضوع حيوي له أبعاده التاريخية، خصوصاً في عالمنا العربي، حيث للدين دور في حياتنا اليومية والسياسية. ويرى البعض أن الدين تسبب في تعطيل التطور والحداثة ليس، لمكوناته ولكن لتسييسه. للدين تاريخ وعلم الاجتماع من العلوم التي درست الدين وكان لإسهامات عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم دور في تقديم رؤية تشخيصية للدين في المجتمع المعاصر حيث أبرز في أطروحاته أن الدين مصدر الأخلاق ولا يمكن لمجتمع أن يعيش ويتطور دون الأخلاق لدورها في تربية الإنسان وتعميق فهمه لدوره في المواطنة والسلوك الصالح وفقاً لمفاهيم الدولة الحديثة. في الشرق الأوسط للدين قوة في فهم الظواهر السياسية حيث قامت تنظيمات وسنت تشريعات وفق الدين وتداخل المقدس مع المعاصر، واختلطت كثير من المتغيرات في فهم ما يحدث من تغير في المنطقة العربية. نتذكر كيف كان للدين دوره في مقاومة المد الشيوعي في احتلاله لأفغانستان، وكيف حشدت الهمم تحت راية الدين لمقاومة ما هو ضد المقدس حيث تمثلت الشيوعية كعدو للمقدس، ومن هنا استخدم الدين في محاربة المد الشيوعي. وربما نتذكر مستشار الأمن القومي الأميركي السابق بريجنسكي الذي أشاد بدور الإسلام في مقاومته للشيوعية ودفع فكرة الدين والسياسة إلى مزيد من التشابك. والسؤال: هل المعاصرة ترفض المقدس المتمثل بالدين؟ الجدل كثير في هذا المجال وهناك كثير من اللغط فيه وهو من القضايا الشائكة في البلاد الإسلامية حيث للدين هيبته. والمراقب لتطور التشابك بين الدين والسياسة يصل إلى قناعة بأن فك التشابك شيء من اللامعقول عند المسلمين العرب، ومقابل ذلك نجد أمثلة ساطعة لدول استطاعت أن تحافظ على المقدس وتجيره لصالح المشروع الوطني في تطور الأمم كماليزيا وأمثلة صارخة توهم المرء بأن هناك علة في الدين في حالة باكستان وهي الجارة للهند التي تحتوي على ديانات ومذاهب وأعراق إلا أنها شقت طريقها وحققت نمواً ديمقراطياً قياساً بباكستان مما يجعلنا نتساءل عن موطن العلة. لا نريد أن نوهم القارئ بأننا نلوم الإسلام ونحمله مسؤولية التخلف في البلاد العربية والإسلامية، وإنما نسلط الضوء على علة بحاجة إلى مزيد من البحث لمعرفة سر العلاقة بين ما هو سياسي وما هو ديني في الحالة العربية. الدين مؤسسة ترعاها الدولة في معظم البلاد الإسلامية ومنتجاتها مسؤولية الدولة، حيث خبراتنا الحياتية تخبرنا بأن حركة التسييس قاسية في الحالة العربية وهي حركة تسير وفق منظومة من السياسات الفوضوية وهي من قادت إلى حالة الجمود والعنفوان في المشهد العربي والإسلامي. والأزمة تجلت في العجز عن استيعاب تجارب الشعوب الأخرى في كيفية المواءمة بين المقدس والحداثة حيث غلب في المعادلة الخاص على العام، والخاص هنا يتجسد في الحركات السياسية، ومنها بالطبع أنظمة الحكم التي جيرت الدين لصالحها وصاحب ذلك عجز في الفكر من حيث تطوير النص وتقديم شروحات جديدة معاصرة تساعد الإنسان على فهم ظروفه. بكل تأكيد. أي دعوة للحداثة تخرج الدين من حساباتها هي دعوة خاسرة في البلاد الإسلامية، والمراهنة على خروج تيارات إسلامية عقلانية تعي القوة الحضارية في الدين وتبتعد عن تفسير الفشل في الحالة العربية على اعتبار أنه نتاج للابتعاد عن الدين، بقدر ما يستوجب الوضع تغير مفاهيم قديمة وتطوير مفاهيم جديدة تقوي من الهوية وتدفع الإنسان لخلع الوهم الذي سيطر على عقله بأن البعد عن الدين تسبب في تخلفه.