عالم الرواية، عالم ممتع يتيح للقارئ الإبحار في أماكن وأزمان لا يعرفها. والرواية نبض المجتمع، والدالة على نوعية الروح التي تسكنه. واليوم تشهد المطابع العربية، خاصة بيروت عاصمة النشر العربية، طباعة عشرات الروايات سنوياً. ومن الملاحظ أن السعودية تنتج من الروايات ما يفوق القدرة على التصور. ففي العام الماضي تم طبع ما لا يقل عن خمسين رواية لروائيين وروائيات سعوديات! وجزء من هذه الروايات كُتبت باسم وهمي، خاصة تلك التي تتعرض للجانب الجنسي، ودور المرأة في المجتمع السعودي. ومن الواضح أن حالة التضييق الاجتماعي تلعب دوراً فعالًا في الانغماس والانكباب على كتابة الرواية. والسعودية ليست استثناء من ذلك، فالمحرمات العربية الثلاثة، السياسة والدين والجنس، تدفع أصحاب الأفكار الخائفين من قانون الرقابة أو الأجهزة الأمنية، إلى تدوين أفكارهم بطرق ملتوية تُسمى عملية الإسقاط، حيث يتبين لقارئ الرواية وبسهولة، المقصود الخفي للراوي، أو الأشخاص الذين تُشير إليهم أحداث الرواية. والسؤال: إلى متى نختبئ وراء الكلمة للتعبير عما يجول في أذهاننا؟ إلى متى نعبر عن آرائنا بالحبر السري للكلمات؟ لماذا نظل نحن العرب من دون خلق الله بلا كرامة؟ في كتابه "جمهورية الخوف"، يقدم الكاتب (باسم مستعار) صورة لحالة الخوف الكامنة في نفس كل عراقي، والتي زرعها النظام العراقي البائد. وقد أجاد الكاتب باختيار العنوان، فلم يقل "جمهورية الرعب"، ذلك أن الخوف حالة شخصية، في حين أن الرعب جماعي. الناس يصيبهم الرعب إذا شب حريق في المسرح أو انهدم جزء من مدرج ممتلئ بالجماهير. لكن الخوف ينغرس في النفس كحالة فردية، فالإنسان المسالم ينتابه الخوف إذا ما التقى بقاتل يمسك سلاحاً، ويكون في خوف أشد إذا ما وجد أن القاتل يقصده شخصياً. وكذلك الأمر مع النظام السياسي حين يخنق حرية التعبير، وبالتالي لا يجد المؤلف مخرجاً سوى الانحراف إلى طريق جانبي غير مباشر، هو الرواية التي تقبل أحداثها كل تفسير ممكن في حالة ما إذا أخذه النظام الأمني للتحقيق الجنائي. وما أكثر التهم في بلاد العرب. فالحرمات أكثر من الهم على القلب، السياسة، الدين، العادات، التقاليد، الإساءة إلى نظام صديق، الجنس، إهانة الحس الوطني!! التعريض بالأمن القومي، واتهامات لا حصر لها. في مثل هذه الحالات، تكون الرواية مخرجا لمن يريد أن يعرض لهذه القضايا، لكن المشكلة تكمن أن هذا الأسلوب "زاد فيه الماء على الطحين"، ففسد الطحين، ولم نستفد من الماء. لا أريد أن أقول إن الرواية العربية تمثل مخرجاً غير مشرف للجبن والخوف من المجتمع والنظام السياسي، لكن إذا ظل الروائي مستخدماً هذا الأسلوب مدة طويلة دون القدرة على الخروج من شرنقة الخوف إلى المواجهة المباشرة بقلمه، فمن الأفضل له أن يكسر هذا القلم، لأنه بطول المدة يصبح مفيداً للنظام السياسي، وخانعاً لعادات وتقاليد المجتمع. لا أختلف مطلقاً مع من يقول إن الكاتب والمثقف عموماً لا يجد وراءه سوى الحائط إذا ما حدثت المواجهة مع النظام، لكن الكتابة قدر من يريد المواجهة. لابد من الوقوف في وجه المدفع... أو الصمت. لكن أن يظهر النظام في المحافل الدولية متخذاً من الكتابات المختلفة والروايات خصوصاً باعتبارها ممثلة لروح المجتمع ونبضه، دليلًا على تمتع كاذب بحرية التعبير، فهذا مرفوض تماماً، بل إنه جُبن وعجز وخور. عرفت كتّاباً يتجاهلون التعليقات الجارحة لا لسبب سوى أنهم لا يريدون لفت الأنظار لما هو متضمن في الرواية من إسقاطات. وبالتالي تكون السلامة في الصمت. ومثل هؤلاء لا يستحقون الاحترام. الرواية عالم جميل من الكلمات. هي تعبير الروح، لكن يجب ألا تكون وسيلة لإخفاء الخوف وعدم المواجهة.