يبقى الحدث السياسي الدولي الأبرز من غير منازع، مع نهاية هذا العام، هو انتخابات الرئاسة الأميركية بما تحمله من زخم المنافسة ووعود التغيير، والتي تجري حملتها وسط أزمة اقتصادية ضاغطة لم تشهد بلاد "العم سام" لها مثيلاً منذ ثمانية عقود. وهي أزمة خانقة أدت إلى تآكل رصيد مرشح الحزب "الجمهوري" جون ماكين، في حين شكلت عامل دفع إضافي لحملة المرشح "الديمقراطي" باراك أوباما الذي ما فتئت فرصه في الفوز تتعاظم على رغم كل الصعوبات والتحديات المرتبطة بعرقه، وتلميحات مناوئيه بأنه "مسلم" يخفي أسلامه، وبأن اسم والده (حسين) ما يذكر الأميركيين بصدام حسين، هذا طبعاً إضافة إلى تناغم اسمه الأول (أوباما) مع الاسم الأكثر كراهية عند الأميركيين وهو أسامة. ويستغل الطرفان المتنافسان الآن البيئة السلبية التي تجتاح مشهد انتخابات الرئاسة الأميركية في مرحلتها الأخيرة للتشهير المتبادل، أو بعبارة الأميركيين لـ"التقاذف بالوُحول" وخاصة من خلال الإعلانات المدفوعة الثمن التي تبث بشكل متواصل للنيل من الطرف الآخر وزعزعة الثقة به. وفي هذا السياق يصف معسكر أوباما منافسه ماكين بأنه امتداد لبوش وإدارته، وبأنه مرشح الطبقة الغنية والشركات والمؤسسات، وبأنه منعزل عن الشارع الأميركي، ولا صلة له بهموم المواطن العادي. كما أن اختياره لسارة بالين مرشحة لمنصب نائب الرئيس على لائحته يعبر هو الآخر عن افتقار للإحساس بالمسؤولية تجاه الشأن العام، وذلك نظراً لافتقارها إلى جميع مقومات المرشح المناسب من كفاءة ودراية وتمرس بالشأن العام، وبالقضايا الأساسية المتعلقة بالشؤون الأمنية والاقتصادية والخارجية، حتى إنها كلما أدلت بتصريح أو أجابت عن سؤال ترتكب المزيد من الأخطاء وآخرها عدم إلمامها بمهام دور نائب الرئيس الدستورية، وعجزها عن تسمية أي قرار من المحكمة العليا تختلف معه. وعندما سُئلت عن معرفتها بروسيا أعطت جواباً لا يخلو من تسلية، شكل مادة للسخرية في برامج التلفزة المسائية اللاذعة. وبعد أن ارتفعت نسبة التأييد لماكين إثر اختياره لبالين، تآكلت شعبيتها هي بسرعة وزاد عدد الأميركيين الذين يشككون في كفاءتها عن النصف، وتحولت إلى عامل معيق يهوي بماكين وفرص فوزه ويدفع الأميركيين للانصراف عنه حتى من "الجمهوريين" المعتدلين أمثال وزير الخارجية السابق الجنرال كولن باول. أما معسكر ماكين فقد لجأ إلى تدبير حملة مغرضة تثير سجالات جانبية لصرف الأنظار عن الوضع الصعب الذي وصلته حملته، خاصة مع استمرار أوباما في جمع ملايين الدولارات بشكل أكثر من ماكين، متقدماً بذلك وموسعاً الفارق بينه وبين منافسه في استطلاعات الرأي إلى 10 نقاط، وهذه نسبة كان من المفترض أن تكون أكبر بكثير لو كان المنافس غير أوباما عرقاً واسماً وأيديولوجية. والأهم هنا هو تقدم أوباما على ماكين خاصة في "الولايات الحمراء" التي تصوت عادة لـ"الجمهوريين"، والتي فاز بها بوش في الانتخابات الأخيرة بسهولة، وبعضها الآخر لم يفز بها مرشح "ديمقراطي" منذ أربعين عاماً مثل ولايتي فرجينيا وإنديانا. وقد لجأت حملة ماكين للنيل من المنافس أوباما بأساليب مبتذلة حين يصفونه بمصاحبة "الإرهابيين" وحتى من خلال التشكيك في وطنيته وإثارة احتمال كراهيته لبلده. تاريخياً من المعروف أن النزيف الاقتصادي في أميركا والركود يدفعان إلى تغيير سيد البيت الأبيض عادة، وكذلك يوديان غالباً إلى التصويت ضد حزبه وفقدانه بالتالي لكثير من مقاعده في الكونجرس أيضاً. وقد فعل الأميركيون ذلك بعد الكساد الكبير عندما تخلوا عن "هوفر" وانتخبوا فرانكلين روزفلت 4 مرات. وكرروا ذلك في مطلع الثمانينيات عندما أقصوا كارتر وأتوا بريجان لفترتين. ولم يصوتوا لبوش الأب لفترة ثانية بسبب التراجع الاقتصادي في أيامه على رغم ارتفاع شعبيته إلى أكثر من 80% بعد دوره الحاسم في تحرير الكويت. ومن المفترض أن يتكرر هذا السيناريو ضد جون ماكين الآن أيضاً لارتباطه بسياسة بوش الابن وتصويته كما يقول أوباما بنسبة 90% مع مشاريعه وقراراته. ويبدو أن خسارة "الجمهوريين" لن تقف عند حد خسارة البيت الأبيض بل ستطيح بهم على نحو تتهاوى معه مقاعدهم في الكونجرس وتنكمش أعدادهم في مجلسي النواب والشيوخ، على أن تزداد سيطرة الحزب "الديمقراطي" على النظام السياسي الأميركي ككل، وقد يستمر ذلك لسنوات، في انقلاب كلي على حزب بوش بسبب سياساته ومغامراته وحروبه، والحصاد الُمر لعهده خلال الأعوام الثمانية الماضية في الداخل والخارج. ويزيد من معاناة الناخب الأميركي شعوره بقلق حقيقي من احتمال فقدان منزله أو وظيفته ومن عدم قدرته على الحصول على قرض لشراء سيارة أو إرسال أبنائه إلى الجامعة. وهذا كله يدفع الناخب الأميركي في انتخابات الرئاسة عادة للتصويت للمرشح الآتي من خارج الحزب الحاكم، بسبب النزيف المستمر في جميع القطاعات الاقتصادية في المؤسسات المالية والمصرفية وأسواق الأسهم، وارتفاع العجز في الميزانية إلى مستويات قياسية وكذلك البطالة وجميع المؤشرات التي تدخل الاقتصاد الأميركي في ركود غير مسبوق منذ عقود. وكان معبراً في هذه الظروف أن تتآكل نسبة التأييد الشعبي لبوش إلى أقل من 28% وهي أدنى نسبة شعبية لأي رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. والمؤشر الثاني على استياء الناخب الأميركي تجاه الأوضاع في بلاده هو شعور حوالي ثلاثة أرباع الأميركيين بأن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ، مما يغلق الدائرة على الرئيس بوش ويصعّب من مهمة ماكين المحاصر، والذي يسعى للابتعاد عن بوش بل ويرفض الظهور معه، مؤكداً بإصرار أن إدارته، إذا ما فاز، لن تشكل الفترة الثالثة لإدارة بوش كما يروج "الديمقراطيون" عنه. والتحدي الحقيقي اليوم هو: هل سيفعلها الناخب الأميركي خلف ستارة الاقتراع ويؤكد صحة استطلاعات الرأي بأن أوباما هو الأوفر حظاً في الفوز، ليؤشر ذلك للتعطش القائم هناك الآن للتغيير، والذي يعتقد أن أوباما هو من يمثله، كما أعلنت ذلك صراحة أهم صحيفتين نافذتين في أميركا وهما "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" عندما أعلنتا دعمهما لأوباما مؤخراً؟ إذا فعلها الناخب الأميركي في النهاية، وعلى هذا النحو، فإنه يكون قد صنع التاريخ وعاشه معاً. إنها أيام معدودة فقط هي ما بات يفصلنا عن ذلك الواقع الجديد الذي يصنع التاريخ!