ضاقت الخيارات وتضاءلت أمام تسيفي ليفني، لتعلن ما لا تريده مطلقاً، وهو فشلها في تكوين حكومة ائتلافية وبالتالي توجيه الدعوة لتنظم انتخابات مبكرة، يرجح أن تكون لصالح "الليكود" المعارض وليس لصالح حزبها "كاديما". أما سبب ذلك فهو الموقف المتطلب (والمتصلب هذه المرة) لحزب "شاس" الذي وضع مسألة الانتخابات على أجندة الإسرائيليين من حيث لم يريدوها في الوقت الحالي تحديداً. فما هو موقع "شاس" على الخريطة السياسية الاسرائيلية؟ وماذا عن سيرته في سياق الدينامية التاريخية القصيرة للدولة العبرية؟ يعد حزب "شاس" ثالث أكبر حزب سياسي على الساحة الإسرائيلية حالياً، إذ تضعه مقاعده البرلمانية الـ12، بعد حزبي "كاديما" (29 مقعداً)، و"العمل" (19 مقعداً)، وقبل حزب "الليكود" (10 مقاعد). وقد كان اليهود الشرقيون (السفاريدم)، منذ قيام الدولة العبرية عام 1948، يصوتون دائماً لحزب "آجودت إسرائيل" الأرثوذوكسي الصهيوني المتأسس في بولونيا عام 1912. لكن اليهود الأشكناز سيطروا تدريجياً على الحزب، وتعرض السفاريدم للتهميش وتضاءل تمثيلهم في هيئاته وقوائمه الانتخابية. وتعبيراً عن الصراعات الداخلية والاستقطابات الإثنية التي تخترق النسيج الاجتماعي الإسرائيلي، أعلن عدد من المتدينين الشرقيين، في عام 1984، تأسيس حزب "شاس" كحزب يهتم بمصالح السفاريدم ويعكس حجمهم الانتخابي. ويعود أصل التسمية إلى ما يعرف عند اليهود بـ"المشناه"، وهي أحد قسمي التلمود إلى جانب "الجمارا". وتتكون "المشناه" من ستة مباحث يطلق عليها "شسا سداريم"، وتختصر إلى "شاس"، أي الاختصار الذي تسمى به الحزب الجديد، تعبيراً عن هويته الدينية اليهودية الأرثوذوكسية المتشددة. ويشكل السفاريدم 15? من يهود العالم، لكن الحركة الصهيونية لم تتوجه إليهم في البداية، ثم لم تجد بداً من حملهم على الهجرة إلى فلسطين حيث يشكلون الآن 50? من يهود إسرائيل. بيد أن القيادة الإسرائيلية، وهي أشكنازية بالأساس، ما فتئت تنظر إلى السفاريدم بريبة، وذلك باعتبارهم ينتمون إلى المحيط الحضاري العربي. من هنا فإن مستوى معيشة السفاريدم في إسرائيل اليوم يعد متدنياً نسبياً، كما ينظر إليهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وهو وضع حاول "شاس" استثماره سياسياً وسعى إلى ترجمته عبر نتائج انتخابية تضعه على قدم المساواة مع الأحزاب الرئيسية مثل "الليكود" و"العمل". وقد اتضح بالفعل أن مؤيدي "شاس" يتجاوزون دائرة المتدينين إلى أغلبية كبيرة من السفاريدم، لاسيما في المدن الطرفية والمستوطنات الجديدة. وإذ يعد "شاس" حزب الشرقيين المحافظين على التوراة، فإن قاعدته من المتدينين التقليديين الذين غالباً ما يجمعهم الانتماء العرقي، لكن قيادته حريدية (أي من اليهود المتدينين المنعزلين، والذين يعارضون الصهيونية معتبرين أن إقامة دولة إسرائيل من المهمات التي تنتظر المسيح المخلص وليس غيره). وبهذا المعنى فإن "شاس" ليس حزباً صهيونياً، لكن من معتقداته السياسية أن إسرائيل دولة الشعب اليهودي، وبالتالي يجب أن تتحلى بالانتماء إلى الروح اليهودية في سائر تشريعاتها. وقد شارك "شاس" في الانتخابات التشريعية لأول مرة عام 1984، أي بعد أشهر قليلة على انشائه، وحصل على أربعة مقاعد. ثم تصاعد تمثيله بشكل لافت خلال الانتخابات التالية، حيث حصل على 6 مقاعد عام 1988، وعلى نفس النتيجة عام 1992، ثم على 10 مقاعد عام 1996، ثم على 17 مقعداً عام 1999، لكن نتائجه تراجعت في انتخابات عام 2003 إلى 11 مقعداً، ثم ارتدت قليلاً في عام 2006 إلى 12 مقعداً. ويعود نجاح "شاس" وفعاليته إلى شبكة المنظمات الاجتماعية والتعليمية التي تقدم خدماتها للسفاريدم في المدن الاستيطانية الجديدة، لاسيما في الجليل والنقب. وقد قام بمضاعفة عدد المدارس الدينية التي أنشأها لصالح اليهود المهاجرين من الجمهوريات السوفييتية السابقة، واستطاع أن يستقطب آلاف الأسر إلى جانبه. أما برنامجه السياسي، فيرتكز على الموضوعات والمطالب الاجتماعية، ويلح على ضمان المساعدات والإعانات العائلية، وعلى خفض البطالة وتشجيع التشغيل وخلق الوظائف، لاسيما لصالح خريجي "اليشيوفت" (مراكز دينية لتعليم التوراة والتلمود). كما يدعو "شاس" إلى عقد اجتماعي ينص على الاعانات الاجتماعية لصالح الأسر والأفراد المحتاجين، كحقوق ثابتة. وتقود حزب "شاس" هيئة عليا يهيمن عليها الحاخام آفوديا يوسف، الزعيم الروحي للسفاريدم، والذي اشتهر بتصريحاته المثيرة وشتائمه العنصرية ضد العرب. أما الشؤون الجارية للحزب فيسيرها رئيسه السياس "آلي يشاي" الذي حل محل زعيمه السابق "آريه ديري" إثر إدانته والحكم عليه بالسجن عام 2000، في واحدة من قضايا الفساد المعروفة. وكان يشاي قد انتخب عضواً في "الكنيست" عام 1996، وتولى منذ ذلك الوقت حقائب وزارية في عدة حكومات متعاقبة، ويشغل في الوقت الحالي منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والتجارة والتشغيل في حكومة أولمرت المنصرفة. وغالباً ما اتبع "شاس" سياسة براجماتية محاولاً الظهور بمظهر الوسط خلال الاستقطابات الحادة، وقد شارك في مختلف الحكومات، اليمينية واليسارية، من أجل الحفاظ على نصيب من الميزانية لتمويل مؤسساته. وكان إصراره على زياة المخصصات الاجتماعية للإسر خلال مفاوضاته مع ليفني في الأيام الأخيرة، سبباً لإفشال المفاوضات. أما السبب الآخر فكان مطالبته بضمان أن لا تشمل المفاوضات القادمة مع الفلسطينيين مسألة القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967. والحقيقة أن "شاس" يتبنى سياسة نفعية خالصة فيما يتعلق بعملية التسوية، ويتخذ منها ورقة مساومة مع اليمين واليسار معاً للحصول على دعم مالي لشبكة مؤسساته ومدارسه الدينية. وقد أصدر قادته فتاوى فضفاضة خلاصتها أنه إذا ما ثبت أن التمسك بالأراضي المحتلة سيؤدي إلى حرب، وأن إعادة هذه الأراضي ستؤدي إلى سلام، فإنه تجب إعادتها، لأن حياة الإسرائيليين أولى من الحفاظ على الأرض! وهي فتوى تصلح لـ"التركيب" على أي موقف سياسي ممكن، لذلك فتمسكه بهذا الشرط لا يعني شيئاً خارج المساومة على التمويلات، كما لا يعني رفضه من جانب ليفني أي شيء آخر خارج اللعبة الداخلية الإسرائيلية. محمد ولد المنى