هل الذي يجري في مجتمعات عربية عديدة تحت تأثير المد الديني، تدين أم تشنج؟ بمعنى، هل يستطيع أي مجتمع معاصر، أن يجمع بين أشكال التزمت والانغلاق والتشدد وبين منافسة المجتمعات الحديثة والاقتصاديات المتقدمة؟ المجتمع الكويتي ومجتمعات خليجية عدة، متشنجة، المجتمع المصري، الجزائري، المغربي، الأردني، اليمني، وبالطبع العراقي واللبناني... في كل الأحوال على نفس المنوال! الكاتبة الصحفية المصرية "أمينة خيري" كتبت تجربتها وأفكارها إزاء ملامح "تشنجات الدين في المجتمع المصري". فهي اضطرت مع عائلتها الصغيرة إلى ترك شقتها في مصر الجديدة والانتقال إلى بيت جديد في إحدى المدن العمرانية الجديدة. وبالطبع، تضمن هذا الانتقال البحث عن مدرسة مناسبة للأولاد، فأشار عليها أحد الأصدقاء بمدرسة دولية "ملتزمة" - أي متدينة! بدت المدرسة رائعة، جلست السيدة مع أولادها في قاعة أنيقة انتظاراً للمسؤولة الإدارية التي ستقابلها، الموظفة تعطيهم كتيبات أو "بروشورات" عن المدرسة: "الصفحة الأولى تتوسطها صورة ضخمة للكعبة الشريفة وحولها مجموعة من الحجاج الصغار بملابس الإحرام، تعليق الصورة يقول بالإنجليزية "طلابنا يقومون بمناسك الحج في نموذج الحج". قرأتُ الموضوع بشغف وفهمت أن المدرسة بَنَت نموذجاً للكعبة في إحدى الغرف الكبيرة، وأن الطلاب والطالبات يتدربون على أداء مناسك الحج في كل عام". الحج بالطبع ركن من أركان الإسلام، ولكن أداء مناسك الحج في المدرسة "مبالغ فيه"، معظم المدرسين ملتحون. وأخيراً تأتي المدرسة التي تنتظرها العائلة، إنها أميركية من أصل مصري، عاشت 45 عاماً في الولايات المتحدة وعادت إلى مصر قبل عامين، "وهي تطبق ما تعلمته هناك من أمور تربوية وتعليمية، ولكن بمعايير مصرية مناسبة لعاداتنا وحضارتنا وثقافتنا الخاصة وقيمنا المتفردة ونشأتنا الشرقية.. إلى آخر الكلمات الإنشائية المعروفة.."! جو المدرسة يوحي للعائلة بالارتياب: "تنتهي المقابلة وقد عقدت العزم على أن أعارض التحاق الأولاد بهذه المدرسة حتى لو دفعوا لنا مكافأة مجزية وقبلوا الأولاد مجاناً". في اليوم التالي فتحت الكاتبة-الأم التلفاز في منزلها وإذا بإحدى القنوات الدينية المتكاثرة اليوم، تستضيف شخصية نسائية محجبة تتحدث في مزايا مدرستها، وفجأة يظهر اسم الضيفة ووظيفتها أسفل الشاشة.. دكتورة فلانة الفلاني، مديرة "مدرسة...". إنها هي! وهناك ملف في مجلة "روز اليوسف" يدق جرس الإنذار، ويشير إلى أن مدارس جماعة الإخوان بدأت مع حسن البنا وتنتشر الآن بكثافة مخيفة، مناهج تفتح الباب للفتنة الطائفية. ترقبوا خلال الأيام القادمة، كتبت المجلة، "ستظهر قائمة جديدة تصنف المدارس حسب درجة الإيمان، بحيث لا يعود التعليم الديني مصطلحاً فضفاضاً كما هو الآن، كل مدرسة ستحدد مقياس الإيمان في التلاميذ الذين تقبلهم، ومقياس إيمان ذويهم". مع كل هذا الانتشار للمدارس "الملتزمة"، ومع كل هذا الاستغلال للدين، فإن التعليم الديني نفسه، تقول "روز اليوسف" بحاجة إلى ثورة. "المناهج تُخرّج طلبة وتلاميذ مشوشين. المدرس يرتدي عباءة المشايخ القادمين من الصحراء ويفرض على الطلاب رؤية وآراء هؤلاء المشايخ، المباني متهالكة. الإشراف على المعاهد والمدارس ذات الصبغة الدينية ضعيف وربما أنه غير موجود من وزارة التعليم. مناهج التعليم الأزهري في المراحل الدراسية ضعيفة جداً مما قوض هيبة الأزهر. وسبب هذا الانهيار في قيمة التعليم الديني، يقول د. رشدي شحاتة رئيس قسم الشريعة بحقوق حلوان وأحد خريجي الأزهر، إن شيخ الأزهر الأسبق د. عبدالحليم محمود، الذي أراد أن يتوسع في التعليم الأزهري فكان التوسع بالكم على حساب الكيف.. كما أن التلقين هو الأسلوب المنيع في الأزهر لا التفكير. والأمثلة التي تضرب في الكلية والمناهج بالمعاهد الأزهرية الآن هي نفس الأمثلة القديمة مثل "ضرب أحمد زيداً". نقاد آخرون مثل د. حامد عمار، الأستاذ بتربية عين شمس يرون أن المناهج ليست هي المشكلة دائماً، وإنْ كانت تفتقر إلى دراسات في مجال مقارنة الأديان وغير ذلك، المشكلة في بعض المدرسين الذين يزرعون بذور التعصب". المشكلة ليست مقتصرة على التعليم الديني في مصر، فأغلبية المدارس والمعاهد والجامعات الدينية في العالم العربي، تضيف "روز اليوسف"، "تمارس عملية تخريج أشخاص يحفظون ولا يفكرون ومصابون بحالة من التكبر الحضاري وازدراء الأمم والحضارات والأديان الأخرى ويقعون فريسة لفكر الإرهاب". الإخوان المسلمون يواصلون تخريج الطلاب من مدارسهم من خلال جمعيات أهلية، ويستغل الإخوان مدارسهم في الوصول إلى الشعب والدليل واضح، فكل القيادات الإخوانية التي تشرف على المدارس حصلت على مقعد في البرلمان". ولكن أين يا أهل مصر ويا أهل الثقافة والتعليم والاستثمار في سائر العالم العربي، مدارسكم ومعاهدكم الحديثة العقلانية المستنيرة.. والليبرالية؟ لماذا بأديكم كل هذه الملايين والمليارات من الدولارات والجنيهات والدنانير والريالات ولا تفعلون شيئاً في هذا المجال، شديد الأهمية والخطورة؟ وتنتقل الكاتبة بالقارئ من شوارع القاهرة إلى عالم المترو! عربة السيدات في مترو الأنفاق في القاهرة، تقول، "مؤشر بالغ الأهمية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والدينية. الجميع يتحدثون بعلو الصوت، والقهقهات، والضحكات النسائية الخليعة تنبعث من كل ركن، الأغلبية تغطي شعرها بطريقة أو بأخرى. أما الأقلية فهي ذوات الشعر المكشوف اللاتي يتم وضعهن جميعاً في سلة واحدة هي سلة المسيحيات حتى وإن كن مسلمات غير محجبات.. إحدى الأخوات تدعو الراكبات إلى ترديد دعاء الركوب بلغة عربية في الأغلب ركيكة: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وفي الآونة الأخيرة بدأت بعض الأخوات يرددن كذلك دعاء النزول. وفي أحيان كثيرة، تتفضل إحدى الأخوات، غالباً من ذوات النقاب، بالتبرع بإلقاء درس ديني على الراكبات شئن أم أبين، وغالباً ما يكون الحديث إما عن عذاب القبر، أو عذاب السافرات، أو عذاب المتبرجات، أو أي قضية أخرى يكون محورها هذا العذاب. وفي المقابل نلاحظ أيضاً تضخماً نسبياً في حجم الصلبان التي تتدلى من سلاسل النساء والفتيات المسيحيات، والتي تستعيض عنها الفتيات المسيحيات أحياناً بإكسسوارات شبابية مواكبة للموضة عبارة عن سمكة مكتوب في داخلها بالإنجليزية "المسيح يحبك". الشارع كذلك، وأينما مشى الناس، مجال لاستعراض الرموز الدينية الإسلامية والمسيحية، والتي تختلط بأصوات الميكروفونات التي تصم الآذان. التلفاز محور مهم في خلطة التدين والتشنج، برامج الفتاوى الفضائية باتت من أكثر الأوراق الرابحة التي تستقطب المشاهدين. التلفزيون المصري ما زال مكتفياً بشيوخ وأئمة الأزهر ممن لا يتحدثون سوى بـ"الفصحى"، بينما اشتعلت الفضائيات، تقول الكاتبة، بقدر هائل من برامج الفتاوى من كل شكل ولون. الأزهر في صراع مع بعض الظواهر الاجتماعية والجنسية، كتحول الذكور إلى إناث، ومع بعض المؤلفين والناشرين. الدولة في صراع مع الجماعة المحظورة "الإخوان المسلمين". الإسلام السياسي يفرز مخالبه أعمق فأعمق في جسد الدولة والمجتمع، ويعتبر كل حركة تقف في وجهه "سكرات الموت" النابعة من معتنقي الفكر العلماني الهادف إلى الفصل التام بين الدين والدولة. المحكمة الإدارية العليا في الدولة تعتبر "حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة انتهاكاً للحرية الشخصية وحرية العقيدة والحق في عدم التعرض للتمييز"، وتقضي بإلغاء قرار مجلس الجامعة الأميركية بحظر دخول المنقبات إلى مكتبات ومعامل وفصول الجامعة "لأسباب أمنية". الدنيا تقوم على تصريحات الفنانة يسرا بأن "الرقص ليس غريباً على المجتمع المصري". الجميع يحتشد وسط القاهرة حينما تتوجه الراقصة "دينا" لتشارك في افتتاح فيلم جديد، وتقرر القيام برقصة ساخنة في الطريق العام!