منذ انتخابات عام 2000 الرئاسية الأميركية التي شاهد فيها العالم موظفي المراكز الانتخابية وهم يحصون البطاقات الانتخابية يدوياً، وشاهد كيف تم حسم تلك الانتخابات لصالح جورج بوش بفارق عدد محدود من الأصوات، أصبح لدى العالم اهتمام كبير بموضوع تزوير الانتخابات، وكيفية تجنبه، ومعالجته والحيلولة دون حدوثه في الأساس. وفي كتاب "آر مايكل الفاريز"، أستاذ العلوم السياسية في معهد كاليفورنيا، والمعنون "تزييف الانتخابات... رصد ومنع التلاعب الانتخابي"، مناقشة لكيفية رصد وقياس تأثير الغش الانتخابي. يقول المؤلف إنه كي يتم اعتبار انتخابات معينة نزيهة، يجب السماح بالتصويت لكل من ينطبق عليه حق الانتخاب، مع مراعاة كافة الشروط التي تمكنه من الإدلاء بصوته، ثم التأكد من أن الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم شروط الانتخاب لم يشاركوا فيه بالفعل. وبعد التأكد من كل ذلك، يجب إحصاء البطاقات الانتخابية المثقبة بدقة بالغة وإجراء المراجعات اللازمة. والانتخابات النزيهة في رأي الكاتب ليست فقط هي التي تسمح للناخب بالإدلاء بصوته، لكنها هي التي تتيح له الفرصة الكاملة للاختيار بين المرشحين بحرية تامة. وهو يلفت النظر إلى نقطة أخرى هي أن التزييف في الانتخابات، ليس هو السبب الوحيد الذي يمكن أن يجعلها غير نزيهة وإنما هناك أسباب أخرى عديدة يمكن أن تسمها بهذه السمة، كما أنه ليس هناك شيء اسمه انتخابات نزيهة تماماً، بل لابد أن يكون بها خطأ أو قصور ما، من هنا يمكن وصف الانتخابات بأنها نزيهة نوعاً ما، أو نزيهة بدرجة كبيرة، في حين لا يمكن وصفها بأنها نزيهة تامة. ويقول المؤلف أنه وزملاء له رصدوا مراكز الاقتراع في انتخابات عديدة جرت منذ عام 2000، ومع ذلك لم يتمكنوا من رصد حالات غش. لكنه يؤكد في نفس الوقت أنه قد رصد مشكلات أخرى عديدة تتعلق بتلك الانتخابات وأن بعض هذه المشكلات قد أثرت على محصلتها النهائية. كما يؤكد أن تحديد ما هو تزييف وما هو ليس كذلك، يتوقف على الشخص الذي يقرر ذلك، وعلى الدولة التي تجري فيها الانتخابات، ومنطقتها من العالم. فما يعتبر تزويراً في دولة من الدول قد يعتبر شيئاً عادياً في دول أخرى: ففي الدول الديمقراطية أو المتقدمة يعتبر منح الناخبين أموالاً لإعطاء أصواتهم لحزب معين، تزويراً، بينما يعتبر ممارسة عادية في دول أخرى في العالم الثالث. والتزوير في الانتخابات في هذه الدول ينحصر فقط في الغش في عدد الاصوات، أو عد أصوات لأشخاص غائبين أو متوفين. وفي هذه الدول أيضاً قد ينظر إلى اعتراض طريق الناخبين ومنعهم من الوصول إلى صناديق الاقتراع على أنه ليس تزويراً بينما حدوث شيء مثل ذلك في الدول الغربية أو الديمقراطية يعد دليلاً قاطعاً على أن الانتخابات غير نزيهة. وفي بعض البلدان قد تعتبر تزكية رئيس حالي لرئيس قادم إجراءً يندرج في خانة التأثير على مجرى الانتخابات، بينما لا يعتبر كذلك في بلدان أخرى. وهناك بلدان تعتبر حشد التأييد عن طريق الجولات الانتخابية التي يقوم بها المرشح من خلال التردد على البيوت، من أساليب الضغط على الناخبين والتي تدعو للشك في نزاهة الانتخابات رغم أن تلك الأساليب تعتبر معتادة في الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر موئل الديمقراطية في العالم بأسره. فالتزييف في الانتخابات ليس هو وحده الذي يؤدي إلى عدم نزاهتها، بل إن الاعتقاد بوجود تزييف في حد ذاته يمكن أن يلقي بظلال من الشك على تلك الانتخابات. ويقول المؤلف إن تزييف الانتخابات لا يشترط أن يحدث في يوم الانتخابات فقط، وإنما يمكن أن يحدث قبلها بفترة قصيرة أو طويلة، وقبل أن تبدأ الحملة الانتخابية، أو في يوم الانتخابات أو بعده حيث يمكن بعد الاقتراع أن يقدم شخص أو جماعة ما على تزوير توقيعات تطعن في نتيجة الانتخابات لمنع حسمها بصورة نهائية لصالح مرشح أو حزب معين. ويؤكد المؤلف أن رصد التزوير صعب، وتحديد درجته أصعب كثيراً، لكنه يقول مع ذلك إن الخبراء يستطيعون استخدام بعض المعلومات والبيانات لفهم أنماط التصويت التقليدية، والكشف عن أي أحداث غير عادية تستحق مزيداً من الفحص والتدقيق، تحسباً لحدوث أي تزوير مستقبلي. ولكي يتمكن الخبراء من ذلك، فإنهم بحاجة للوصول إلى كم هائل من البيانات، كما يحتاجون إلى موظفين انتخابيين يمارسون عملهم بشفافية. ورغم أن ذلك قد يكون متاحاً وميسوراً في أميركا وأوروبا، فإنه يمكن أن يكون صعباً للغاية في دول أخرى لا تتوفر لها الإمكانيات الكافية، أو الخبرة والمعرفة الفنية لعمل ذلك. ويسرد المؤلف بعض الشروط التي تجعل الانتخابات شفافة، منها الإفراج عن كافة البيانات المتعلقة بالدوائر الانتخابية، وتواجد مراقبين للانتخابات، وإتاحة الفرصة للموظفين الفيدراليين للالتقاء بالخبراء السياسيين... وهي كلها شروط وعوامل تعتبر في نظره شروطاً مساعدة على توفير الشفافية للانتخابات، والوقاية من حدوث حالات تزوير. سعيد كامل الكتاب: تزييف الانتخابات... رصد ومنع التلاعب الانتخابي المؤلف: آر مايكل الفاريز الناشر: بروكنج انستيتيوشن برس تاريخ النشر: 2008