تعليقاً على "الحيل" الانتخابية التي لعبتها حملة المرشح الجمهوري جون ماكين خلال الأسابيع القليلة الماضية، في هجومها الشرس على المرشح الديمقراطي باراك أوباما، كتب المعلق الصحفي "فرانك ريتش" قائلاً إن الجمهوريين يواصلون اللعب بـ"البطاقة العرقية". والدليل على هذا واضح ولا إبهام فيه. لكن هل الأمر بكل هذا الوضوح حقاً؟ مما لا شك فيه أن حملة ماكين اتسمت بطابع سلبي جداً خلال الأسابيع القليلة الماضية. فقد كررت اتهاماتها لأوباما مراراً بالتآمر مع الإرهابيين، وأشارت إلى أن علاقاته مع كل من القس "جيرمياه رايت" و"ويليام آيرز" زعيم جماعة "ويذر" السرية، تضعه خارج مجرى التيار السياسي الرئيسي الأميركي. بل مضت سارة بالين، المرشحة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس، إلى وصف أوباما بالقول: إنه لا ينظر إلى أميركا كما نراها أنا وأنت. فهو "خطير" و"مغامر" و"غير نزيه"! وردت هذه الصفات عن أوباما ضمن الحملة الدعائية لبطاقة جون ماكين-سارة بالين. وهذه نعوت سخيفة بالطبع، لأنه ليس هناك من داع للحديث عن أن السياسات التي يؤمن بها أوباما ويدافع عنها، تخرجه عن مجرى التيار الرئيسي للسياسات الأميركية. كما لا يصح أيضاً وصف المرشح الديمقراطي بأنه أقدم على فعل أي شيء معاد لأميركا أو لا يتسم بالوطنية، أو يضعه في خانة "غير النزيهين"... إلى آخر ذلك من صفات مختلقة ومفتراة. يذكر أن تقارير صحفية عديدة استنكرت محاولات حملة ماكين ربط اسم أوباما بجماعة "آيرز" الإرهابية. لكن أين هو الهجوم العرقي في هذه الصفات المنسوبة إلى أوباما؟ فالملاحظ أن افتتاحية صحيفة "نيويورك تايمز" لم تشر إلى أي مثال واحد على توجيه الهجوم العرقي على أوباما من قبل حملة ماكين. إلا أن الكاتب "ديلبانكو" أشار في كتاباته وتعليقاته على سلوكيات الحملة الجمهورية، إلى أنها استخدمت بين ما استخدمته في لعب البطاقة العرقية، إشارات متكررة حملت استخفافاً بمنظمي حملة أوباما في أوساط المجتمعات المحلية التي يكثر فيها السود والفقراء الأميركيون. ومن بين الحجج التي استعان بها الكاتب "ريتش" في انتقاده للوجه العنصري لحملة ماكين، ما استشهدت به سارة بالين من مقتطفات تنسب إلى المعلق الصحفي السابق -من منتصف القرن الماضي- "ويستر بروك" الذي عرف بعنصريته وكراهيته للسامية. وهناك من رأى في استخدام بعض الناطقين باسم حملة ماكين للاسم الثلاثي "باراك حسين أوباما"، محاولة لا تخفى لربط اسمه بالعرب من ذوي البشرة الداكنة. بل إن في إطلاق عبارة "الشخص" من قبل ماكين خلال المناظرة الثانية بينه وأوباما، ما يشير بوضوح إلى محاولة التقليل من إنسانية أوباما والاستخفاف بها. ولكل ذي بصيرة ونظر فإن عبارة "الشخص" التي صاغها وأطلقها ماكين منذ بداية حملته الانتخابية، إنما تقصد دون أدنى لبس، وصف منافسه الديمقراطي بأنه مجرد "شخصية نكرة" لا يعرفها أحد، بدليل أنها مجردة حتى من الاسم العادي الذي يحمله كل إنسان، أياً يكن هذا الاسم! وتبدو جميع هذه الأمثلة والحجج المثارة ضد حملة ماكين، منطقية وتحمل قدراً من الصدق والحقيقة، خاصة وأن العرق قد تجلى بوضوح مؤخراً في السياسات الأميركية. فإلى جانب إعلان تأييده من قبل "جيسي هيلمز" الشهير، الذي لا يخفي نزعته العنصرية القبيحة، هناك دراسة اجتماعية نشرها المؤلف "جون جوديس" في العدد الأخير من مجلة "The new Republic” ذهب فيها إلى القول إن عدداً لا يستهان به من الأميركيين البيض يخفون نزعتهم العنصرية وينكرونها، إلا أنها تجد وسيلة ما للتعبير عن نفسها في مختلف المواقف والأشكال. لكن رغم كل هذا فإني أجد صعوبة كبيرة في نسبة نزعة كهذه لحملة ماكين الحالية. ولا أقصد بهذا نفي أو تأكيد الطابع العنصري للحملة. بل كل ما أود قوله إن اتهام الآخرين بالعنصرية هو اتهام خطير، ويحتاج إلى دعمه بالقرائن والشواهد القاطعة للشك. وبالطبع فهو ليس من الاتهامات التي تلقى جزافاً في وجوه الآخرين، أو نمر عليها "مرور الكرام" وكأنها لم تكن! نيكولاس جولدبرج كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"