الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة وما لبثت دوائر آثارها السلبية أن امتدت إلى أوروبا وآسيا والعالم العربي، تثير عديداً من النقاشات النظرية التي لا يمكن لها أن تغيب في ظل تدخل الدولة الصارخ في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لإنقاذ النظام الاقتصادي الرأسمالي. وذلك لسبب بسيط وإن كان بالغ الأهمية، هو أن العولمة الرأسمالية التي دعت إلى كف يد الدولة نهائياً عن التدخل في الاقتصاد، وإطلاق حرية السوق إلى غير ما نهاية، وتشكيل السوق الاقتصادي الكوني الذي يزيل الحواجز والحدود بين الدول، هي بذاتها تعد خاتمة -وإن كانت مؤقتة كما ظهر مؤخراً- للجدل الطويل الذي دار طوال القرن العشرين بين الرأسمالية والماركسية. هذا الجدل اتخذ أشكالاً متعددة فلسفية واجتماعية واقتصادية وسياسية. غير أن محوره الرئيسي كان هو السوق في مواجهة الدولة. بعبارة أخرى منذ أن ظهر السوق كآلية أساسية للتبادل التجاري مع بداية ظهور الرأسمالية الأوروبية -كما أبرز ذلك "كارل بولاني" في كتابه الكلاسيكي "التحول العظيم"- والجدل لم يتوقف حول دور الدولة في الاقتصاد، وهل ينبغي تقييده بالكامل أو جزئياً في سبيل حرية السوق المطلقة، أم ينبغي على العكس تدعيمه، وفي الصور المتطرفة للدول الاشتراكية هيمنة دور الدولة على الاقتصاد، حتى يصبح اقتصاداً مخططاً، يقيد حرية السوق إلى درجة كبيرة. غير أن الجدل لم تحسمه قوة الحجج الفلسفية لدى كل فريق، ولكن الذي حسمه هو التاريخ! وذلك لأنه عقب الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 برزت قوة عظمى هي الاتحاد السوفييتي الذي تبنى الماركسية كنظرية وطبقها بطريقة خاصة للغاية، جعلها نموذجاً لتطبيقات مشابهة في أقطار شتى من العالم. غير أنه على رغم تعددية التطبيق فقد بقي الجوهر واحداً، السلطة المطلقة للدولة في إدارة الاقتصاد، والحركة البالغة الضيق للسوق. وعبر مسيرة شاقة ومتعثرة امتدت أكثر من سبعين عاماً انهار الاتحاد السوفييتي، وسقطت بالتالي -بالمعنى التاريخي للكلمة- أبرز تجربة للاقتصاد المخطط الذي أطلق العنان للدولة، واعتقل السوق في الوقت نفسه! ونحن قد تابعنا بدقة منذ عام 1990 في دراساتنا وكتبنا المنشورة الصراع المرير الذي دار بين أنصار العولمة وخصومها. تماماً مثلما تتبعنا من قبل المرحلة النهائية في الجدل بين أنصار الماركسية ودعاة الرأسمالية وخصوصاً بمناسبة صدور أهم كتاب جدلي في الموضوع وهو الذي ألفه عالم الاجتماع الأميركي المعروف "بيتر برجر" ونشره عام 1987 بعنوان مثير هو "الثورة الرأسمالية: خمسون مبدأ حول الرخاء والمساواة والحرية". وكنت قد دعيت لإلقاء محاضرة في مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة هارفارد منذ سنوات طويلة عن الصراع العربي/ الإسرائيلي، وهناك اكتشفت كتاباً مهماً لداني رودريك عنوانه ملفت "هل ذهبت العولمة بعيداً في طريقها؟". وحين طالعت الكتاب نحيته جانباً لإحساسي بأن العولمة كانت -في وقت نشر الكتاب- في بداياتها، ومن هنا أحسست وكأن "داني رودريك" يتعجل الحكم على ظاهرة العصر وهي العولمة، قبل أن تسفر عن ملامح وجهها الحقيقي! غير أنه بعد الانهيار المالي المدوي للاقتصاد الأميركي المعولم أدركت أن "داني رودريك" كان على حق في نقده المبكر، وأنني أخطأت في تقييم محاولته الجسورة في التحليل الموضوعي للعولمة. تصحيحاً لخطئي في تقييم "رودريك" قررت أن "أزوره" مرة أخرى. بمعنى العودة لقراءة كتابه، وبدأت بشبكة الإنترنت. ففوجئت بأن له موقعاً خاصاً، وأنه نشر في هذا الموقع تعليقاً مهماً عن الانهيار بعنوان "من الذي قتل وول ستريت؟" وذلك بأسلوب نقدي ساخر بتاريخ 12 أكتوبر 2008. وقد استعرض فيه الأسباب المحتملة لكارثة الانهيار، واعترف صراحة بأنه من الصعب بمكان تحديد السبب الرئيسي لما حدث. بل إنه وصل إلى حد القول إنه حتى بعد مرور زمن كاف على ما حدث ربما لن نصل أبداً إلى التكييف الحقيقي لهذا الحدث الجلل، وهل كان نوعاً من الانتحار (يقصد الاقتصادي بالطبع) أم كان جريمة، وقد يكون موتاً عارضاً، أم لعله حالة نادرة من حالات الفشل الاقتصادي الشامل؟ وقد حاول "رودريك" أن يحدد أسباب التوتر في مختلف المجتمعات كرد فعل للعولمة في ضوء السبب الرئيسي وهو أن العولمة بسياساتها المطبقة الآن تؤدي إلى التفكك الاجتماعي، وتزيد الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون، وترفع معدلات البطالة، وتزيد من انتشار دوائر الفقر، وتهميش فئات واسعة من العمالة غير الماهرة، بل وإقصاء دول نامية من دورة التبادل المنتج، بحكم هشاشة اقتصادها وعدم قدرتها على الصمود في مجال التنافس العالمي. وقد ركز رودريك على ثلاثة مصادر للتوتر بين السوق الكوني global market والاستقرار الاجتماعي. والسبب الأول في نظره أن إلغاء القيود على التجارة والاستثمار من شأنه أن يعمق عدم المساواة بين الجماعات التي تستطيع عبور الحدود الدولية (سواء مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عن طريق نقل الشركات الدولية لنشاط مصانعها بالكامل أو جزئياً إلى البلاد النامية حيث العمالة الرخيصة) وهي العملية التي يطلق عليها Outsourcing، والجماعات الأخرى في البلاد النامية التي لا تستطيع أن تطبق نفس الطريقة في الانتقال عبر الحدود. الجماعات الأولى تتكون من ملاك رؤوس الأموال، والعمال المهرة، وعديد من المهنيين الذين يستطيعون الانتقال بسهولة بحكم ما يمتلكونه من رؤوس أموال ومهارات من بلد إلى آخر، بل ومن قارة إلى أخرى حيث تبدو فرص الاستثمار واعدة. في حين أن الجماعات الأخرى التي تتشكل من المديرين من المستوى المتوسط والعمال غير المهرة، ليس عليهم طلب خارج بلادهم، ومن هنا فحركتهم مقيدة. ومعنى ذلك أن العولمة -بحكم آلياتها- تستطيع أن تستغني عن جزء من العمالة من أهل البلاد وتحل محلهم عمالة مستوردة عالية المستوى، ولذلك ما فيه من آثار سلبية على العمالة المحلية. وبعبارة أخرى بدلاً من أن تلجأ الدولة أو الشركات المحلية إلى وضع استراتيجية شاملة لتطوير وتدريب القوى البشرية، تلجأ إلى الحل السهل وهو استيراد عمالة أجنبية مدربة، وذلك شبيه تماماً باستسهال الدول والحكومات لحل "تسليم المفتاح". بمعنى استيراد المصنع بالكامل مع الفنيين الأجانب، بدلاً من بذل المجهود الإيجابي في مجال توطين التكنولوجيا، كما تفعل الصين الآن، وكما فعلت ماليزيا من قبل. والسبب الثاني من أسباب التوتر الذي تحدثه العولمة -في رأي "داني رودريك"- هو أنها تحدث صراعات بين الأمم تدور حول المعايير المحلية والمؤسسات الاجتماعية التي تعبر عنها. وذلك لأن تكنولوجيا صناعة السلع أصبحت مقننة وموحدة عالمياً، مما جعل الأمم التي تمتلك أنساقاً مختلفة من المعايير والقيم والمؤسسات والتفضيلات الجماعية، تتنافس في السوق العالمية للحصول على السلع المشابهة. غير أن التنافس العالمي يؤدي في الواقع إلى ظلم بين، لأن التبادل يتم بين دول متفاوتة تفاوتاً ضخماً في مستوى نموها وفي قدراتها الاقتصادية ومستوى مبادراتها التكنولوجية. ومعنى ذلك أنه ليس تنافساً حقيقياً ولكنه معركة غير متكافئة بين الأقوياء والضعفاء! وبالتالي ليس هناك إنصاف fairness في هذه العملية مما يفقدها في الواقع شرعيتها المزعومة! ولعل هذا هو سر الصراع العنيف بين الدول النامية والدول المتقدمة داخل منظمة التجارة العالمية، حيث تحاول الدول النامية تعديل الشروط المجحفة في كثير من ميادين التبادل التي فرضتها عليها الدول المسيطرة اقتصادياً. ومصدر التوتر الثالث بين العولمة والاستقرار الاجتماعي أنها جعلت مهمة الدول في توفير الضمانات الاجتماعية للمواطنين بالغة الصعوبة. وذلك لأن إيديولوجية العولمة المتطرفة globalism التي تتمثل في إلغاء دور الدولة الإنتاجي تماماً تجنح أيضاً إلى إلغاء دورها الاجتماعي، وتضغط لإلغاء الدعم، بل ولإلغاء عديد من التشريعات الاجتماعية التي صيغت منذ عقود لضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطنين الفقراء ومتوسطي الدخل. إن تطرف العولمة الرأسمالية في هذا الاتجاه -كما يقرر بشجاعة "داني رودريك"- سيدعو الجماهير إلى معارضتها والمطالبة بعودة الدولة للقيام بوظائفها الإنتاجية حتى ولو لم تصل إلى حد التأميم، وإلى وظائفها الاجتماعية التقليدية، وقد يحدث هذا في زمن غير بعيد! كتب رودريك هذه النبوءة عام 1997، ولم يكن يدري أن الانهيار الرأسمالي الكبير سيحدث عام 2008، وستضطر الدول الرأسمالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية إلى ضخ آلاف ملايين الدولارات لإنقاذ الشركات والبنوك الرأسمالية التي تهاوت، بل وإلى تأميم بعض البنوك! وهكذا انقلبت الرأسمالية على أهم مبدأ من مبادئها التقليدية، وهو كف يد الدولة عن التدخل في الاقتصاد! ما أخبث دهاء التاريخ!