تعكس الميزانية العامة لأي دولة، من خلال حجمها وبنودها وطبيعة العلاقة بين جانبي الإيرادات والمصروفات فيها، الحالة التي عليها اقتصاد هذه الدولة، وإمكانات النمو التي يمتلكها. في هذا الإطار، فإن الميزانية العامة للاتحاد، للسنة المالية 2009، والتي اعتمدها مجلس الوزراء في الحادي والعشرين من شهر أكتوبر الجاري، برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تنطوي على العديد من المؤشرات ذات الدلالات الإيجابية الواضحة، فقد صدرت الميزانية باكراً قبل بدء السنة المالية الجديدة بأكثر من شهرين، وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، ولكنها المرة الثالثة على التوالي، وهذا يعني أن هناك رؤية اقتصادية وتنموية واضحة للحاضر والمستقبل، وتخطيطاً سليماً يقوم على تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع، وفي ظل وضع كهذا، فإنه من الطبيعي أن يتم استباق الوقت. إضافة إلى ذلك، فإن الميزانية صدرت من دون عجز مالي للمرة الخامسة على مدى ثلاثة عقود، وذلك على الرغم من الانخفاض الذي لحق بأسعار النفط من ناحية، والأزمة المالية العالمية من ناحية أخرى، وهذا يشير إلى أمرين مهمين: الأمر الأول هو نجاح سياسة الدولة في تنويع مصادر دخلها القومي، بحيث إنها أصبحت لا تعتمد في هذا الدخل بشكل أساسي على النفط، وإنما هناك قطاعات أخرى أصبح لها دورها الكبير والمؤثر في هذا الشأن، ولهذا فإنه على الرغم من التوقعات الخاصة بانخفاض أسعار النفط، فإن حجم الإيرادات المقدرة في ميزانية عام 2009، هو 42,2 مليار درهم مقارنة بـ34,9 مليار درهم في ميزانية عام 2008، وبالتالي لم يعد أي انخفاض في سعر النفط سبباً لتراجع النمو أو الإيرادات، أو إيقاف البرامج والمشروعات. الأمر الثاني هو أن الاقتصاد الوطني، من خلال الإجراءات التي تم اتخاذها خلال الفترة الماضية، قادر على مواجهة أي آثار سلبية للأزمة المالية العالمية، وأن القائمين عليه لديهم خططهم وتصوراتهم للتعامل مع أي تداعيات لهذه الأزمة. وعلى هذه الخلفية فإن صدور الميزانية من دون عجز، وقبل بدء السنة المالية، في ظل انخفاض أسعار النفط، وظروف الأزمة المالية في العالم، يمثّل رسالة إيجابية مهمة تؤكد الثقة بمتانة الاقتصاد الوطني، وهي رسالة كانت مطلوبة بقوة خلال هذه المرحلة، وسوف يكون لها تأثيرها الإيجابي في أداء الأسواق، ولاسيما من الناحية النفسية التي تحتل أهمية في توجيه قرارات المستثمرين. ومن المؤشرات المهمة في الميزانية، إضافة إلى ما سبق، أنها تخصص للتعليم ما نسبته 23% من مجمل مخصصاتها المالية مقارنة بـ18.7% في ميزانية 2008، ولقطاع الخدمات 37%. هذا يعني استمرار الاهتمام وتصاعده من قبل الدولة بالتعليم، ورؤيتها الإيجابية حول دوره المحوري في مجال التنمية، وتحديداً علمياً مدروساً لأولويات الإنفاق في المجالات المختلفة، كما يعني أن حرص الحكومة على إعداد ميزانية متوازنة من دون عجز، لم يأت على حساب اهتمام الدولة بالخدمات المقدّمة للمواطنين، حيث تخصص لهذا القطاع جزءاً كبيراً من مصروفات الميزانية العامة للاتحاد، في تأكيد لالتزامها برفع مستوى الخدمات المقدمة في المجالات المختلفة، وإنما تأسس على معطيات اقتصادية واقعية ونتج عن تخطيط علمي فاعل يعطي الاستخدام الأمثل للموارد والتوزيع السليم لها أهمية كبيرة.