في النظام الاشتراكي الشمولي في الاتحاد السوفييتي السابق، والنظم المماثلة، لم يكن الرئيس أو المدير التنفيذي في شركة أو مؤسسة اقتصادية أو مصرف، يتعرض إلى مساءلة أو محاسبة إذا تسبب أداؤه في خسائر كبيرة أو صغيرة. كان المسؤولون الاقتصاديون، كما السياسيون، أعضاء فى الحزب الحاكم الذي يشملهم بحمايته مثلما يشمل المجتمع كله برعايته المزعومة التي أفقرت البلاد والعباد. وهذا أمر مفهوم في النظم الشمولية لا يثير استغراباً، لكن حين يحدث شيء قريب منه في الدولة التي كانت تعتبر الأكثر ديموقراطية، لابد أن يكون هناك خطأ، وربما خطيئة. فالنظام الديموقراطي، بخلاف الشمولي والتسلطي وأمثالهما، يقوم على أسس معروفة في مقدمتها مساءلة كل من يخطئ أو يرتكب جرماً أو يسيء استخدام سلطته. وكان الالتزام بهذه القاعدة مضرب الأمثال في الديموقراطية الأميركية على مدى تاريخها. ولم تكن فضيحة ووترجيت إلا عملية مساءلة ومحاسبة للرئيس ريتشارد نيكسون بعد ثبوت أن أعضاء في حزبه (الجمهوري) سرقوا أوراقاً من مكتب للحزب الديموقراطي خلال الحملة الانتخابية عام 1972، والتي قادته إلى البيت الأبيض. ولتوضيح مدى صلابة قاعدة المساءلة والمحاسبة في النظام الديموقراطي الأميركي حينئذ، لابد من الإشارة إلى أن نيكسون لم يسرق ولا طلب سرقة تلك الأوراق. كل ما هنالك أنه كذب للتغطية على رجاله بعد أن فشلت محاولته التخلص من الإدلاء بشهادته استناداً على قاعدة أخرى في هذا النظام وهي الامتياز التنفيذي، والتي تتيح للرئيس الاحتفاظ بسرية المداولات والمناقشات التي يجريها مع مساعديه ومستشاريه. وانتهت الأزمة باضطرار نيكسون إلى الاستقالة وترك البيت الأبيض قبل أن يعزله الكونجرس، لمجرد أنه كذب في قضية كان الجميع يعلمون أنها صغيرة ومحدودة الأهمية. وظلت قاعدة المساءلة والمحاسبة قوية صلبة حتى نهاية العقد الماضي، وقبل دخول الرئيس الحالي جورج بوش إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2001. والدليل على ذلك أنها طبقت على سلفه الرئيس بيل كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي المشهورة حين اتُهم بإقامة علاقة جنسية مع هذه الفتاة المتدربة حينئذ في البيت الأبيض، وكذب أمام الشاشة الفضية عندما أنكر ذلك. ورغم أن الكونجرس لم يعزله، فقد خضع لمساءلة مرهقة طويلة ومثل أمام التحقيق كأي مواطن عادي. فأين هذه القاعدة "الذهبية" في أي نظام ديموقراطي الآن في الولايات المتحدة، حيث يتضح يوماً بعد يوم أن إدارتي الرئيس بوش أضعفتا تقاليدها الديموقراطية على نحو لا سابق له في تاريخها. وعود على بدء، لا يجد المتأمل للحالة الأميركية اليوم فرقاً كبيراً من حيث الجوهر بين حماية المسؤولين الاقتصاديين المخطئين والمتجاوزين في النظام الشمولي، وسلوك إدارة بوش التي لم يخطر في بال أركانها أن ما فعله المدراء التنفيذيون للمؤسسات المالية التي انهارت وأحدثت الكارثة الراهنة، يستحق مساءلة بشكل أكثر جدية من التحقيقات الشكلية التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي مع بعضهم. وعندما مثُل مدير بنك "ليمان براذرز" الذي انهار أمام إحدى لجان الكونجرس، وجد فيها من يدافع عنه بحرارة مما أضعف موقف الأعضاء الذين حاولوا تحويل الجلسة إلي مساءلة حقيقية. ويعني ذلك وجود خلل كبير في إعمال قاعدة المساءلة والمحاسبة. فقد اتخذ مدراء المؤسسات المالية قرارات كبرى تفوق في أهميتها ما يصدر عن رؤساء عدد غير قليل من دول العالم. وليس هناك من يشك في أن هذه القرارات كانت خاطئة، وأنها انطوت على مقامرة ليس فقط بالاقتصاد الأميركي ولكن أيضاً بالنظام الاقتصادي العالمي برمته في سبيل مصالح خاصة. وبدلاً من مساءلتهم ومحاسبتهم على ما اقترفوه، هرعت الإدارة إلى مساعدة مؤسساتهم المنهارة على حساب دافع الضرائب. لذلك يدل نزوع بوش وإدارته إلى عدم مساءلة المدراء صانعي الكارثة، على ميل لا ديموقراطي كثر مثله منذ أن وجد "المحافظون الجدد" طريقهم إلى البيت الأبيض والبنتاجون وغيرهما من مؤسسات الدولة التي كان نموذجها الديموقراطي مصدر إلهام. وحتى بافتراض أن السعي إلى الإنقاذ يقتضي تعطيل قاعدة من أهم وأسمى القواعد الديموقراطية، فكيف يمكن تفسير خلو المسودة الأولى لخطة الإنقاذ المالي من بند يمنع استعادة المدراء التنفيذيين للمؤسسات المستهدفة بهذا الإنقاذ؟! كان بعض الأعضاء الديموقراطيين في الكونجرس هم الذين أضافوا ذلك البند، وأصروا عليه، ضمن التعديلات المهمة التي أدخلوها مع بعض زملائهم الجمهوريين على المقترح الأول المقدم من الإدارة. وتعد هذه إحدى المرات القليلة للغاية التي مارس فيها الكونجرس دوره المعروف والمشهود في التاريخ الأميركي، منذ غزو العراق. فقد ضعف هذا الدور منذ أن أيد الكونجرس قرار الغزو. وحين تبين أن هذا القرار كان خاطئاً، صار الكونجرس شريكاً في الخطأ ومتواطئاً عليه، لذلك فقد القوة المعنوية التي تتيح له مساءلة الرئيس ورجاله بشأن هذا القرار ومحاسبتهم على نتائجه الكارثية. لكن كيف لمن تباروا في الإشادة بقرار غزو العراق، وصدقوا ادعاءات إدارة بوش ومزاعم "المحافظين الجدد" فيها، أن يسائلوها ويحاسبوها. وكيف يعترف من تسابقوا إلى تأييد قرار الغزو بأن الإدارة خدعتهم، وبأنهم "بلعوا الطعم"؟ لم يكن في استطاعة المتحدث الصحافي السابق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان أن يعترف بأنه تعرض لخداع شديد إلا بعد أن استقال من منصبه. وفي كتابه المثير "ماذا حدث داخل بيت بوش الأبيض وسنوات الخداع في واشنطن؟"، الصادر قبل شهور، تفسير غير مباشر لعجز الديموقراطية الأقدم والأكبر في العالم عن حماية تقاليدها ومؤسساتها وقيمها وقواعدها من التلاعب بها على يدي إدارة لا تحفل بها وتنظر بعين الشك إلى الحريات المدنية وتجيد الخداع والتحايل السياسي. خلاصة ما طرحه ماكليلان هو أن هذه الإدارة استخدمت بكثافة أساليب الدعاية والخداع والتحايل لتبرير أهدافها السياسية، وأنها تؤمن بحقائق مطلقة لا مكان لها في الديموقراطية التي تقوم على النسبية، وتمقت الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، وأن واشنطن صارت في عهدها مسرحاً لحملات ونشاطات تقوم على تغييب الحقائق أو بترها. ويعني ذلك أنها استطاعت خداع الكونجرس بسهولة. وجهر ماكليلان بما يعرفه بحكم منصبه، وهو أن الإعلام الأميركي تحول إلى شريك للإدارة فاستخدمته لنشر معلومات محرفة أو للدفاع عن أكاذيب. ولا ننسى أن هذا الإعلام هو الذي كشف فضيحة ووترجيت، وتسبب في أكبر عملية مساءلة ومحاسبة لرئيس أميركي في التاريخ. وإذا كان هذا هو ما آلت إليه حالة الكونجرس والإعلام، في ظل إدارة لا تحترم تقاليد وقواعد الديموقراطية وتخرج عليها كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً، يصبح مفهوماً كيف تراجعت هذه الديموقراطية في الداخل الأميركي، بينما راج الحديث عن اضطلاع الولايات المتحدة بمهمة نشرها في الخارج. وهذا يساهم، بدوره، في تفسير فشل هذه المهمة التي حظيت بموقع متقدم في خطاب الرئيس بوش وأركان إدارته على مدى ما يقرب من سبع سنوات. فإلى جانب استحالة نجاح تصدير الديموقراطية من دون توفر مقومات في البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية التي يراد زرعها فيها، يفتقد القائم بالتصدير إلى المصداقية حين يتحايل على التقاليد الديموقراطية في بلاده، ومن ثم ينطبق عليه القول "فاقد الشيء لا يعطيه". ولا يعنى ذلك أن أميركا افتقدت الديموقراطية التي سعى بوش ورجاله إلى تصديرها، لأن جذورها أعمق من أن يمكن اقتلاعها. لكن أركان السلطة في واشنطن منذ 2001 افتقدوا الإيمان الكافي بهذه الديموقراطية، ولم يتركوا فرصة للتحايل عليها، ولجأوا إلى شيء من الخداع للإفلات من قواعدها وإجراءاتها. وقد ارتكبوا بذلك أكبر الآثام في أي نظام ديموقراطي، إذ أساءوا استخدام السلطة بشكل متكرر، وحاولوا تسييس القضاء عبر التدخل في عمله. وتبين في العام الماضي، حين تم إقصاء ثمانية مدعين عامين واستبدالهم، دون موافقة مجلس الشيوخ، أن الإدارة دست فقرة لم يلحظها أحد في القانون الخاص بمواجهة الإرهاب (قانون باتريوت) خلال تحديثه في عام 2006 تتيح لها صلاحية هذا الاستبدال منفردة بالمخالفة لقانون السلطة القضائية. ويعني ذلك أن في إمكان نخبة حكم تصدر عن ذهنية شمولية أن تعطل بعض القواعد والإجراءات الديموقراطية، انطلاقاً من نزوعها إلى احتكار الحقيقة وما يؤدي إليه على صعيد إساءة استخدام السلطة والتحايل على التقاليد المرعية في نظام ديموقراطي عريق.