التصدّي للتجاوزات والخروقات التي يتمّ اكتشافها في أي نظام إداري مسألة بالغة الأهمية، ليس فقط حفاظاً على سلامة هذا النظام، ولكن أيضاً لتحصين المجتمع ضد أمراض الفساد الإداري والوظيفي بما تحمله من أخطار جمّة على المنظومة المجتمعية ككل. ومن بين الخروقات والتجاوزات بالغة الخطورة على الصحّة العامة، أن يشهد نظام بالغ الحساسية والخطورة مثل نظام استخراج شهادات اللياقة الصحية خرقاً يؤدّي إلى إصدار شهادات لياقة صحية مزوّرة بمعرفة مراكز صحيّة خاصة! بلدية دبي كشفت، مؤخراً، عن ضبط 22 شهادة لياقة صحية مزوّرة تشير إلى أن أصحابها معافون وخالون من الأمراض، بينما أكّدت الفحوص الصحية التي أجريت لهم بعيادة البلدية أنهم مصابون بأمراض خطرة مثل الإيدز والسلّ الرئوي والتهاب الكبد البائي والزهري، والأخطر من ذلك أن الشهادات المزوّرة التي تمّ ضبطها يعمل أصحابها بمهن ذات صلة مباشرة بالصحة والسلامة العامة، مثل الحلاقين وعمال المطاعم والطباخين!! الأمر الجيد أو الإيجابي أن تعلن بلدية دبي بنفسها عن اكتشاف هذه التجاوزات وتتصدّى لها بشفافية إدارية تحسب لها، وأن تتعاطى مع الواقعة بما تستحقّ من إجراءات تمثّلت، كما نشر، في التعميم على جميع المستشفيات والمراكز الخاصة التي تشرف عليها وزارة الصحة بالتوقّف الفوري عن إجراء فحوص العمالة بغرض تنفيذ إجراءات العمل والإقامة؛ أما الأمر السلبي فهو غياب أي آليات رقابية على مثل هذه الممارسات لدرجة أن مانحي هذه الشهادات المزوّرة استمرأوا اللعبة وتحدّوا النظام واستمرّوا في تزوير الشهادات منذ بداية العام الماضي وحتى اكتشاف الواقعة منذ أيام قليلة! ويبدو أن الأمر لا يقتصر على ذلك، فقد نبّهت بلدية دبي إلى وجود ممارسات خطرة أخرى غير إصدار الشهادات المزوّرة، مثل وجود عمالة وافدة مريضة بأمراض خطرة ولم يتمّ اكتشافها وتمارس حياتها بشكل طبيعي داخل الدولة، بل إن الجهات المختصّة لا تستطيع الوصول إلى المصابين بهذه الأمراض المعدية لعدم وجود بيانات خاصة تحدّد أماكن عملهم أو إقامتهم ووجودهم بدقة!! المسألة بالغة الخطورة، بل هي كما قال مسؤول رفيع المستوى ببلدية دبي تعتبر خرقاً لأمن المجتمع وسلامته، وتتعلّق مباشرة بالجانب السيادي للدولة، باعتبار أن هناك افتئاتاً ما على هيبة القانون والنظام العام السائد في المجتمع، مما يصبّ بدوره في خانة التآكل التدريجي لهذا القانون، وتحفيز آخرين على اختراقه وتجاوزه، مما يفرز بدوره حالة تدريجية من غياب القانون قابلة للتطوّر ما لم يتمّ التصدّي لها بالحزم والقوة اللازمين. في ظلّ هذا الكمّ الهائل من الجنسيات وأعداد العمالة الوافدة، يصبح من البديهي أن تنتقل إلى مجتمعنا الكثير من الظواهر والممارسات وعدوى الفساد السائد في بعض الدول المصدّرة للعمالة، وتتضاعف بالتبعية الأعباء والمسؤوليات الملقاة على كاهل الأجهزة المعنية للتعاطي مع هذا الكمّ الهائل من الثقافات والسلوكيات الفردية بما تحمله من إيجابيات وسلبيات مجتمعاتها؛ ويصبح الحديث عن تحصين مجتمعنا بشكل مطلق ضد ممارسات الفساد العابرة للجغرافيا، مسألة محفوفة بالصعوبات والشكوك، مما يستوجب الرهان على ضرورة الإمساك بزمام المبادرة وتكريس هيبة القانون واستعادة هذه الهيبة فوراً، في حال بروز ما يضعفها أو يعمل على تآكلها، كما يستوجب الأمر أيضاً الإسراع بسدّ أي ثغرات قائمة، مثل تورّط بعض منشآت القطاع الخاص الصحية في إصدار شهادات لياقة مزوّرة، وإعادة دراسة المعايير التي تمنح بموجبها هذه المنشآت صلاحية إصدار معاملة رسمية على هذا القدر من الحساسية والأهمية. حدوث خرق ما للقانون يظلّ مسألة واردة، ولكن أن يتحوّل الأمر إلى ممارسة شائعة تؤدّي إلى إصدار 22 شهادة لياقة صحية مزوّرة، فإننا بصدد واقعة تستحقّ التوقّف عندها ملياً وإعادة النظر في الإجراءات والآليات القائمة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية