الحداثة في العالم العربي غريبة اليد والوجه واللسان لعدم معرفة ماهية هذه الحداثة ومعرفة المناخ والبيئة التي تحيا فيها كما في ماهية الأهداف والوسائل. فالوضاع الاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية في معظم الدول العربية تحول دون تحقيق أي حداثة في ظل مجتمع يتحدث بلغة والحداثة بلغة أخرى، وإذا ادعى بعضُها الحداثةَ في العديد من الحقبات فإما لإضفاء الشرعية على بعض السياسات والأنظمة أو للقضاء على الفقر والظلم الاجتماعي، وذلك في حقبة أصبح فيها العالم بأسره ملزَماً في علاقاته بالتحول إلى الحداثة، وإنْ لم تكن حداثة بالمفهوم الصحيح كحدوث تقدم أو تطور في قطاعات معينة وتحرير الإنسان من قيود فكرية ونظامية معينة. حقيقةً، الحداثة نهج عقلاني منطقي علمي يلغي التفسيرات الِثيوقراطية (الدينية) في العلوم التطبيقية والاجتماعية، وهنا يرى رواد الحداثة أنها عامل مثبِّط للدين، بل هناك من يرى أنه لن يكون للدين أي دور يذكر، وكأنها، وهي عالم من الحياة العملية والعلمية، تستطيع حل القضايا والمشكلات وتطوير المجتمع بوسائلها العلمية والمنطقية والاستنتاجية، وعلى ذلك فهي لا تحتاج إلا إلى عقول وباحثين ومفكرين يقدمون العقل على كل ما يتصادم معه. وعلى هذا فالحداثة، بالنسبة إلى المجتمعات، سلوك علماني أيضاً يختزل الدين بصورة كبيرة حتى على مستوى الأفراد فيصبح الفرد عملياً وواقعياً يتعاطى مع ما يلمسهُ ويعيشهُ، وله في الدين الجانب الأخلاقي والمعنوي وهو جانب مهم لا يمكن تجاهله. ونأتي إلى الحداثة في الدول العربية، لنرى كيف أنها تأكل نفسها بنفسها إما بفقدان بعض الأسس الاجتماعية أو عدم المعرفة بأدواتها وخططها، ومن ثم تبرز قضايا وسلوكيات وأفكار تتصادم معها، وإنْ أتت وباسم الحداثة نفسها وروحها. وأهم القضايا في عالمنا العربي صعود الدين، وهذا الصعود الذي يرى فيه خصومه أنه غير محمود العواقب لأنه يتصادم مع الحداثة، ولكن لماذا الحداثة معنية بصعود الدين أو تراجعه؟ لقد أدى فشل سياسات التحديث في الكثير من الأقطار العربية إلى بروز الدين كمنهج وفكر وسلوك يبحث عن العدالة الاجتماعية، بل ويتصادم مع الحداثة في كثير من الوجوه. وترجع أهم الأسباب إلى تلك الأيدي والأصوات التي حملت ونادت باسم العدالة والحداثة، فأتت الثورات والانقلابات العربية مدعية السعي إلى تحقيقها، دون أن تبحث عنها بصورة دقيقة أو تتعرف عليها. فما زالت الكثير من الشرائح العريضة في المجتمعات العربية تنتمي إلى المهمشين والفقراء والمحبطين الذين في كثير من الأحيان لا يرون أي أسس لقواعد الحداثة، بل لا يجدون قانوناً عادلًا ولا أمناً اجتماعياً، فليس غريباً أن تتَّجه شرائح مجتمعية نحو الدين كنوع من الانتماء والتعويض عن حرمان اجتماعي وفشلِ نظامٍ معين، وذلك عبر قيادة أبسط العقول، وفي جانب معنوي غير واقعي أو يتصادم مع الواقع. وفي هذه الشرائح ترى مجموعات دينية تبيع الدنيا لجنة الآخرة، إما عن طريق الخير واتقاء الله والتبشير بالدين أو بالتفجير الذي يقود إلى الجحيم، وهناك فريق يقول إن الدين منهج التقدم والحداثة، ويقدم الأدلة على ذلك، ولكنها أدلة لا يفهمها، فالدين الإسلامي يترك حيزاً كبيراً للبشر لتصريف دنياهم والتقدم وليس كما يَدَّعي بأن لديه ما لا يعرفه أحد. وجدير بالذكر أن هناك من يملكون القوة المادية، ولكنهم خاوون في الجانب المعنوي، والذي بدوره يحتم عليهم بعض التوجهات الدينية التي قد تتصادم مع الحداثة. وأخطر جانب في تصادم الدين مع الحداثة وجود نظرة عالمية تنبثق من الدين لتفسير العالم في أفكار وأطروحات مخربة ومدمرة، وهذه النظرة تأتي في منظور يرفض الحداثة ووضع العالم لأنه بقيادة غربية رغم أن الحداثة الغربية مَدِينة للحداثة الإسلامية التي حفظت العلوم المختلفة وطورتها وعملت على إيقاد منارة علمية وحضارية تلقاها الغرب وهذه صيرورة العلم والحداثة. الحداثة ليست هي الوسائل من اتصالات ومواصلات وتكنولوجيا بل هذا بعضٌ من منتجاتها ومبتكراتها، وهي -كما ذكرنا- نهج علمي واجتماعي، فأي حداثة أتت في الدول العربية؟ حقيقةً ليست هناك حداثة، بل هناك تقدم صحي وتعليمي ومعاشي يختلف بين الدول العربية اختلافاً بين متوسط وكبير، والدليل على عدم وجود حداثة أن الثقافة في دولة عربية ما تتشابه مع دولة عربية أخرى، ليس لأننا أمة عربية واحدة، بل لعدم وجود أي حداثة. فالحداثة لا تأتي مع ثقافة لا تثمِّن الوقت أو ثقافة تقول إن الدنيا مجرد مرحلة. لقد حاول الكثير من العرب -وما زالوا- البحثَ عن الحداثة، وهو مسعى محمود، ولكنهم يبحثون عن التقدم المرحلي فقط، ومنهم من وقع في خطأ كبير عندما رأى أن في العلوم التطبيقية سرَّ التقدم على حساب العلوم الإنسانية، رغم أن الإنسان مقدَّم على أي علم، لأنها أساس الفائدة من أي عمل كما أن العلوم الإنسانية هي أهم العلوم، أوليست الفلسفة أكبر درجات العلم، أي درجة الدكتوراه؟ والدليل القاطع في هذه المسألة أن الدول الأكثر حداثة تملك عقول المعرفة في العلوم التطبيقية والاجتماعية والإنسانية. الحداثة كوكب غريب وبعيد عن المجرَّة العربية لعدم وجود حيز ما يتقبل خروج منهاج وطرق الحداثة، فالعديد من الدول الآسيوية لم تتقدم إلا بفضل النهج الليبرالي كمناخ اجتماعي تبِعهُ التقدم الاقتصادي والتكنولوجي والصناعي، وقد نرى في الدول العربية ليبرالية علمانية وأخرى إسلامية صغيرة تصِف نفسَها بالحداثة ولكنها في الواقع ليست كذلك، فالليبرالية، وليست الحداثة، هي التي يجب أن تكون المناخ السائد اجتماعياً لتكون حيزاً للحراك الاجتماعي والعلمي والبحثي الذي يساعد على الحداثة التي تكون حينئذ النتيجة. وفي هذه الصورة، التي تتضارب بين ما هو المناخ الليبرالي وما هي الحداثة، توجد صورة أخرى تتشابه معها وهي المَدَنية والتقليدية، فالسواد الأعظم من المدن العربية لا تبدو فيها المدنية إلا في قالب عمراني ومؤسساتي، وما يحدث من حراك اجتماعي واقتصادي لا تمتُّ إلى المدنية بشيء سوى أن نقول نحن محافظون أو تقليديون وحداثيون في نفس الوقت!