ختمت المقالة السابقة متسائلًا ما هي مصلحتنا في دول مجلس التعاون الخليجي في الانضمام إلى مبادرة حلف "الناتو" التي تعرف بـ"مبادرة إسطنبول". وتساءلنا عن مصلحتنا ومصلحة "الناتو" في الدفع بهذه المبادرة في عالم لا يقيم الكثير من التقدير والاهتمام سوى للمصالح، وليس للأعمال الخيرية والتطوعية. كما طرحنا سؤالاً عن رؤية إيران وعراق المستقبل لهذه المبادرة. بالإضافة إلى رؤية القوى الإقليمية المناوئة للغرب. وختمنا المقالة السابقة بطرح السؤال عما تعنيه هذه المبادرة لأمننا واستقرارنا؟ ووعدنا بالإجابة على تلك الأسئلة في مقالتنا لهذا الأسبوع في ما أسميته المبادرة اللغز من حلف "الناتو" تجاهنا، والتي بعد حوالي خمسة أعوام من انطلاقتها تبقى غير واضحة لدى الكثير من المسؤولين والأكاديميين والعامة في دولنا. وسنثير هنا بعض الملاحظات: أولاً: ينبغي أن نفهم أن "الناتو" الذي سيحتفل العام القادم بالذكرى الستين لقيامه قد صمد وبقي حتى بعد سقوط الكتلة الشيوعية وتفكك كيانها، واتسع لانضمام دول شكلت العمود الفقري للكيان المناوئ للغرب سابقاً. ثانياً: لقد توسع حلف "الناتو" ليشمل 26 دولة في ثلاث قارات، ويقوم بعمليات أمنية وعسكرية في البلقان وأفغانستان خارج نطاق وجوده واهتمامه ومناطق نفوذه. ثالثاً: في عالم ما بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ولمواجهة الإرهاب والإرهابيين تبنى "الناتو" عقيدة واشنطن و"مبدأ بوش" في "الحرب على الإرهاب". وقد أطلقت الدول الصناعية الثماني الكبرى مبادرة لحماية أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي بسبب حيويتها وأهميتها لأمن الطاقة، ولحمايتها من خطر الإرهاب وعدم الاستقرار. وتزامنت مبادرة "الناتو" التي تشكل الولايات المتحدة القلب والمحرك الرئيسي فيها مع المشروع الأميركي "الشرق الأوسط الكبير" في صيف عام 2004. وفي قمة "الناتو" في إسطنبول في نهاية يونيو 2004 أُطلقت هذه المبادرة التي عرفت اختصاراً بـ ICI لمساعدة دول مجلس التعاون كلاً على حدة في تأهيل وتدريب وتحصين قدراتها وقواتها وإمكانياتها الدفاعية والعسكرية والأمنية والاستخبارية لدرء المخاطر، والتعامل مع التهديدات والتحديات. وترتكز المبادرة، باختصار، على فكرة أساسية: "نساعدكم لتساعدوا أنفسكم"، وهي بذلك ليست شراكة مع دول مجلس التعاون ولا تعرض العضوية في الحلف. وكل ما هنالك هو طبقة أو مستوى آخر من الدعم والمساعدة والتدريب والتأهيل لكل دولة بمفردها لتكون دولنا مؤهلة أكثر لمواجهة التهديدات والتحديات، من الإرهاب وحماية أمن الحدود وتأهيل وتدريب القوات المسلحة وتطوير قدرات الدول التي تنضم للمبادرة على إدارة الأزمات بشكل أفضل، وتبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية. وإجراء تدريبات ومناورات مشتركة أحياناً. ومع أن المبادرة لا تفرض على دول المنطقة التوقيع على اتفاقية أمنية أو تنص على إقامة قواعد عسكرية أو شراء أسلحة وأنظمة دفاعية من "الناتو"، إلا أنها تعاني من لبس وإبهام. ومن المقترحات التي على الجانب الأطلسي إعادة النظر فيها، لماذا يصر الحلف على تسميتها "مبادرة إسطنبول" وليس مبادرة حلف "الناتو" تجاه دول مجلس التعاون الخليجي؟ ولماذا يصر على التعامل مع دول مجلس التعاون ثنائياً وليس جماعياً؟ ولماذا المبادرة تتعامل مع دول المجلس من خلال (26+1) وليس (26+6)؟ ولماذا تصر على التأكيد أن جميع مبادرات "الناتو" مكملة لبعضها بعضاً complementary وخاصة مع مبادرة حوار المتوسط التي تضم بعض دول شمال أفريقيا. وربما يلزم التنبيه إلى أن إيران تنظر بالريبة والرفض إلى مبادرة إسطنبول وإلى أي ترتيبات أمنية يكون فيها دور لأية قوة من خارج منطقة الخليج عربية كانت مثل دول "إعلان دمشق" أو دولية مثل الوجود الأميركي أو الأطلسي. وختاماً، فإن مبادرة إسطنبول التي ينبغي تغيير مسماها، تبقى بالنسبة لدول المنطقة مبادرة ربحية، دون تكاليف خارجة عن نطاق المنطق والواقع. وتشكل مستوى آخر من مستويات تأمين الشبكة الأمنية لدولنا. وتؤكد سعي الدول الفاعلة في النظام العالمي لحماية أمن الطاقة من خلال عولمة أمن الخليج، وليس إبقاءه حكراً على طرف وحيد. ولكن حتى تكتسب المبادرة زخماً أكبر، وتحقق الأهداف التي قامت من أجلها، على دول "الناتو" أن تبدي المزيد من الاهتمام وإعادة النظر في أركان المبادرة. وتجيب على الأسئلة التي طرحناها أعلاه حتى تكون المبادرة مقبولة من جميع الأطراف في المنطقة، وحتى ترتقي إلى مستوى تستفيد جميع الأطراف من مضمونه وأبعاده.