في اليوم الذي سبق دخول الألفية الثانية للميلاد، حدث فزع وارتباك كبيران في الأسواق العالمية المالية وأنظمة الحاسب الآلي في البنوك وشركات الطيران والمستشفيات، مخافة ألا تستوعب الأوامر والأنظمة الحاسوبية التغير من الأعوام المنتهية بالرقم 1999 إلى قرن من الزمان يبدأ برقم 2000. الأصفار المضافة تلك كلفت البنوك والشركات وأسواق المال المليارات، كل ذلك ترقُباً لما يسفر عنه هذا التبدل، وفي اللحظة التي غابت فيها شمس آخر يوم من شهر ديسمبر من عام 1999 زادت دقات قلوب الكثيرين خوفاً من الخسائر المادية وحتى البشرية إن وقع المحظور. في بنجلاديش أمرت الحكومة أجهزتها الحاسوبية العاملة في مؤسساتها وبنوكها أن تفعل شيئاً بسيطاً.. وهو أمرٌ فعله كذلك من يملك أجهزة كمبيوتر خاصة به -وهم قلائل- في ذاك البلد الفقير: مجرد إغلاق الأجهزة حتى صباح اليوم الموعود.. يوم 2000! وعندما بزغت شمس ذاك اليوم على العالم لم يحدث مكروه ولم تُسجل خسارة واحدة، وتبخرت أموال الفزعين وتكدست جيوب المنتفعين من الخوف غير المبرر. بلدٌ واحد لم يخشَ ولم يخسر فلساً واحداً من (مولد) الألفية الثانية.. بنجلاديش. الأخبار هذه الأيام تنقل لنا أن الأمراض النفسية المصاحبة للانهيارات المالية لم تمر على سكان البلد نفسه الذي أغلق أجهزته شبه المتقدمة قبل ما يقارب الثماني سنوات! شهر أكتوبر هذا العام حمل للعالم مفاجأة غير سعيدة: إفلاس بنوك استثمارية وانهيارات لشركات تأمين وتمويل للعقارات، وتسريح آلاف الوظائف في مصانع السيارات والصلب، كساد لا سابقة له بدأ من غرب الأطلسي وامتد إلى العالم أجمع. وفي خضم هذه الفواجع، انهالت على الناس، القُراء منهم والمستمعون والمشاهدون لوسائل الإعلام المختلفة تحليلات لا أول لها ولا آخر، تُفسر -على طريقتها- ما حـدث وتتوقع الأسوأ. البعض منها راح يقدم نصائح لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، ويطرح بدائل للنظام الرأسمالي، وأخرى تنادي بالعودة إلى نظام المقايضة الموغل في القـدم! إنها فوضى (كلامية) تعادل الفوضى الحاصلة أمام الناس وهم يتابعون المؤشرات والأرقام والأنباء العاجلة عن الإفلاسات والانهيارات والكساد. من كان مختصاً في متابعة سوء تنفيذ شركات تعبيد الطرق ويكتب دائماً عن هنات وحسنات المنفذين، بدأ الآن ينتقد (آدم سميث) ونظريته الرأسمالية؛ ومن كان مختصاً في العقار لم يتورع عن تحويل زاويته في الصحف السيارة وإطلالته التلفزيونية إلى ناقد لكل الأنظمة الاقتصادية العالمية، والتي جربتها الإنسانية بدايةً من منشور "كارل ماركس" وحتى تشريعات "بازل" المالية. ... آخر راح يطالب بأن تنفصل بلادنا الخليجية والعربية عن العولمة المالية وتؤسس عالماً اقتصادياً غير مرتبط إطلاقاً لا بالشرق ولا بالغرب، ولا يبيع ولا يشتري لا من هذا ولا من ذاك؛ وشبيه له ومماثل شدد على أن أجدادنا في مزارعهم البدائية وصحرائهم القاحلة وعذاباتهم عندما يستخرجون اللؤلؤ أفضل حالاً منا الآن، ولابد من معرفة سر اطمئنانهم الاقتصادي! أحدهم أخذت بِلُبه نوبة من الحماسة الدينية، إلى درجة أنه توقع ألا تمضي ستة أشهر إلا وسويسرا ببنوكها تتحول إلى النظام الإسلامي المصرفي؛ أما ناصري عتيق فأخذ يُذكر بما كان يقوله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر -رحمه الله- عن الإقطاع والرجعية وما كان يفعله من نشر لاشتراكية مبتكرة، من ضمنها حزمة التأميمات المعروفة وإلغاء دوْر القطاع الخاص! ويدخل في ضمن هذه الأعاجيب مقال لمجتهد أرجع فيه سبب الأزمة المالية الغربية إلى محاضرات التفكير الإيجابي التي جعلت التفاؤل ديدن المستثمرين ومديري البنوك ورؤساء الشركات مثلهم مثل العامة، مما أدى إلى البعد عن الواقعية التي يفرضها السوق وآلياته! اقتصادي آخر يُشار إليه بالبنان تحول وهو ينظِّر تليفزيونياً للأزمة المالية الراهنة إلى دُعاء القنُوت ومما قاله أنه يدعو الله أن يُفتت أميركا، في حين كان المشاهدون والمستمعون ينتظرون نصائح آنية للحفاظ على ما تبقى من رؤوس أموالهم، المرتبطة -شاءوا ذلك أم لا- بالغرب عموماً وببلاد "العم سام" خصوصاً! وقد يتقبل الإنسان تلك الاجتهادات غير الموفقة، ولكنه لن ينسى وهو يتابع خسائر أسواق المال في خليجنا التي تصل يومياً إلى 10% أو أكثر، أو وهو يتابع الأخبار العاجلة المفيدة بأن البنوك المركزية في إقليمنا راحت تضخ السيولة وتخفف من الاحتياطات البنكية لديها خوفاً من تداعيات مصرفية غير محمودة، لن ينسى هذا مضافاً إليه انهيار سعر المورد الوحيد للخليج، إذا دُمج كل هذه المحزنات بالأحاديث غير الموفقة والتي (تؤكد) أن الخليج حكوماتٍ ومصارف وشركات (لن) يتأثر إطلاقاً مما يقع وسيقع في العالم من كوارث اقتصادية وكأننا في كوكب آخر غير كوكب (آدم) و (حواء) وبنيهم المحاطين بالكرب دائماً! إذا سمعت وقرأت وشاهدت -عزيزي القارئ- كل تلك السقطات التحليلية فارجع بذاكرتك لما فعله البنغال ليلة 31 ديسمبر سنة 1999، افعل كما فعلوا ولن تخسر شيئاً.. وعلى الأقل عقلك!