تشهد الأسواق المالية العالمية تقلبات حادة وتغيرات كبيرة في أسعار صرف العملات، وهناك شعور عام بفقدان الثقة وتفاقم حالة الشك في الأسواق. هذه الأزمة الحالية تختلف عن غيرها من الأزمات التي واجهت عالمنا سابقاً، لأنها تمس ليس الاقتصاد الأميركي فقط، بل تمس الإزدهار العالمي بشكل يهدد بالانهيار، كما أن الأزمة فرضت تدخل الدول في الاقتصاد حتى في الدول الرأسمالية العريقة، مما يعني أننا مقبلون على تشغيل نظام اقتصادي جديد. ما هي نتائج هذه الأزمة على دول الخليج العربية؟ وهل تعاملنا معها بمستوى التحدي المطلوب؟ المسؤولون في كل دول المجلس يؤكدون على سلامة اقتصادهم وعلى أن بنوكهم وشركاتهم وعملاتهم بخير ولا داعي للقلق، لكنهم يعترفون بأن تأثير الأزمة على اقتصادهم سيكون محدوداً. غير أنه لا أحد يشرح ما المقصود بـ"المحدود"! وما هو حجم الخسارة، وكيف يمكن التعامل مع الأزمة جماعياً؟ واقع الحال يؤكد أن الأزمة في بدايتها، والمتخصصون الاقتصاديون يؤكدون أن أزمات إضافية سوف تبرز بسبب التغيرات التي تجريها الدول المتقدمة والخاصة بالقوانين التي تدير الأسواق. دول الخليج مثل غيرها من دول العالم حتماً ستتأثر بالأزمة لأن الاحتياطي المالي القوي المتواجد لدى هذه الدول سوف يتناقص ويتقلص بسبب الأزمة العالمية التي لا يعلم إلا الله إلى أين ستقود تقلباتها... والأمر المؤكد هو أن الأوضاع الحالية لن تسمح للمستثمرين الأجانب بالاستمرار في الاستثمار لدى بعض دول الخليج، بل إن بعض هؤلاء المستثمرين أقدموا على سحب أموالهم من دول الخليج منذ بداية الأزمة وحتى الآن. السؤال المهم: ما هو التأثير الحقيقي للأزمة الاقتصادية المالية الحالية على دول الخليج العربية؟ ولماذا تأتي التطمينات دائماً بلغة الإنشاء وبصيغة خالية من الأرقام؟ رغم تأكيدات دول الخليج بأن اقتصاداتها متينة وعملاتها قوية وبنوكها بعيدة كل البعد عن التأثيرات الدولية، إلا أن الحقيقة المرة هي أن أسعار النفط قد انخفضت إلى حوالي 70 دولاراً للبرميل، وهناك احتمالات قوية لانخفاضات أكثر مستقبلاً إذا خيم الركود على العالم. أسعار الأغذية والمواد الإنشائية والسيارات... بدأت تنخفض في بعض دول الخليج! ماذا عن مشاريع التنمية الخليجية الطموحة؛ هل سيتم تأجيلها، أم ستتوقف، أم سيعاد النظر فيها؟ بعض هذه المشاريع لا يمكن تأخيره بسبب تعلقه وارتباطه بالبنية التحتية وتحديث بعض المنشآت النفطية «المتهالكة». دول الخليج العربية لم تنسق سياساتها على المستوى الاقتصادي المطلوب، صحيح أن محافظي البنوك المركزية اجتمعوا في الرياض وأكدوا بأن اقتصاداتهم قوية ولا داعي للخوف والهلع... لكن ما يحدث في بورصات الخليج من انهيارات وانخفاض في أسعار الأراضي والعقارات يدل دلالة قاطعة على أن هناك أزمة اقتصادية قادمة. القرار الذي اتخذته دولة الإمارات العربية المتحدة بضمان الودائع في بنوكها، هو قرار يصب في مصلحة الإمارات، وربما هناك حاجة ماسة له، لكن الإشكالية أن محافظي البنوك المركزية في الخليج صرحوا بما معناه أنهم لن يتخذوا خطوات مماثلة... وهذا يوضح أنه لا يوجد تنسيق بين دول "مجلس التعاون" على المستوى الاقتصادي. الأزمة الآن في بدايتها والأيام القادمة ستبرز مدى خسارة دول الخليج في استثماراتها الخارجية، مما قد يخلق أزمة ثقة... لذلك فالمطلوب هو إبراز الحقيقة مهما كانت مرة وصعبة. د. شملان يوسف العيسى