تستغرق أميركا المنقسمة بعمق في التفرج على مسلسلين دراميين تتزامن وقائعهما تباعاً على شاشات التلفزة الأميركية. فمن جهة أولى، هناك السرد المثير للقلق المتزايد والمعني بالصراع المتسارع في العراق الذي يوحي بتراخي السيطرة الأميركية هناك. ومن جهة أخرى، هناك ازدياد ضعف الثقة العامة في قيادة إدارة بوش في العراق، وفي الحرب على الإرهاب وهي الأهم.
وبدأ هذا الضعف منذ أسبوعين مع الهجمة الإعلامية التي ترافقت مع إصدار كتاب "ضد كل الأعداء" لريتشارد كلارك خبير مكافحة الإرهاب السابق لدى البيت الأبيض. ففي المقابلات التلفزيونية وفي شهادته أمام لجنة التحقيق في أداء الحكومة قبل وبعد 11 سبتمبر، وجّه كلارك الاتهامات إلى إدارة بوش. ويرى كلارك أن إدارة بوش أخفقت في التركيز على التهديد الإرهابي الذي يشكله بن لادن و"القاعدة"، وهو يقول إن الإدارة فقدت تركيزها، حتى قبل 11 سبتمبر، بسبب تحويل انتباهها إلى العراق، وهو ما يقول كلارك إنه جهد انقسامي أضعف الحملة الدولية على الإرهاب.
وخلافاً للكتب السابقة التي تنتقد الإدارة، أثار كتاب "ضد كل الأعداء" موجةً إعلامية وسياسية ومازال يتربع على رأس قائمة الكتب الأوسع رواجاً، وما يزال كلارك لأسبوعين متواصلين يظهر على شاشات التلفزة والصفحات الأولى من الصحف.
ولأن كلارك يشكل تحدياً لـ"موقف الرئيس الحاسم ضد الإرهاب"، اضطر البيت الأبيض إلى شن هجوم مضاد وقوي. فبعد أيام من شهادة كلارك، ظهر الناطقون باسم الإدارة والحزب الجمهوري 200 مرة على شاشات التلفزة ليردّوا على اتهامات كلارك وليشكّكوا في نزاهته واستقامته. ولم يؤدّ كل هذا إلاّ إلى تغذية قصة كلارك. ولأن هذه القصة لن تموت، كان الرئيس بوش مرغماً على التراجع والسماح لكوندوليزا رايس بالإدلاء بشهادتها علناً. وعلى رغم أنها كانت ذكية وتتحلى بالعزيمة في إقامة دعواها، لم يؤدّ ظهور رايس المرصود جيّداً أمام اللجنة إلاّ إلى إذكاء النار المشتعلة وتوسيع دائرة لهبها، فتناوبت التلفزيونات الأميركية في أسبوع عيد الفصح على عرض وقائع الأزمات التي تواجه البيت الأبيض. فهناك تساؤلات جديدة تدور حول أمرين أولهما معني بما كانت الإدارة تعلمه أو لا تعلمه عن التهديد الإرهابي، وثانيهما معني بمسارح العنف التي يتوسع نطاقها في العراق. وليس في أي من الأمرين خبر يسرّ إدارة بوش التي أطلقت بثقة حملتها الانتخابية منذ شهرين متحدية كفاءة وزعامة الديمقراطي جون كيري. لكن بالنظر إلى الانقسام العميق في المسرح السياسي الأميركي، تبقى تأثيرات كل هذه الأنباء السيئة محدودة إلى حد ما.
فالجمهور الأميركي اليوم يعطي تقييماً سلبياً عاماً لأداء بوش في منصبه؛ وعندما كان مطلوباً من الجمهور تقييم أداء بوش بخصوص الحرب على الإرهاب، أظهرت استطلاعات الرأي أن الأميركيين منقسمون تقريباً إلى نصفين فأعطى 52% منهم تقييماً إيجابياً مقابل 48% منهم أعطوا تقييماً سلبياً. ويشكل ذلك هبوطاً في التقييم الإيجابي لبوش ويزيد على 10% في الشهر الماضي، و30% على مدى العامين الماضيين. لكن هذه الانقسامات تبقى ذات أساس حزبي. ونرى هذا في ردود الأميركيين على كل الأسئلة المطروحة عليهم. فمثلاً، طُلب من الجمهوريين تقييم أداء الرئيس بخصوص الحرب على الإرهاب فأعطوه تقييماً إيجابياً قدره 88% مقابل 12%، في حين أعطاه الديمقراطيون تقييماً سلبياً قدره 23% مقابل 76%. وطُلب من الأميركيين أن يختاروا ما بين موقف كلارك الذي يؤكّد أن "إدارة بوش تجاهلت التحذيرات من الإرهاب بسبب الإفراط في التركيز على العراق"، وموقف رايس التي تؤكّد أن "الإدارة ركّزت على موضوع الإرهاب منذ أيامها الأولى"؛ وهنا عبّر الديمقراطيون عن اتفاقهم في الرأي مع كلارك (72% إلى 17%)، في حين عبّر الجمهوريون عن اتفاقهم في الرأي مع رايس (81% إلى 12%). وعلى رغم الحملة الواسعة الضخمة التي شنّها البيت الأبيض لتشويه سمعة كلارك، ما يزال هناك قطاع واسع من الجمهور الأميركي يعطيه تقييماً إيجابياً قدره 44% إلى 36%. ويعني هذا بالطبع انقساماً حزبياً، حيث تبلغ نسبة مؤيدي كلارك بين الديمقراطيين 68% إلى 10%، في مقابل نسبة استهجان لموقفه بلغت 16% إلى 67% .
ويبدو أن تأثير كل هذه الصحافة السلبية يعبّر عن تآكل الثقة بين بعض الديمقراطيين والمستقلين بخصوص تقييم أداء بوش، لكنه لم يقلّص كثيراً نسبة التأييد بين الجمهوريين. وتكشف استطلاعات الرأي أيضاً عن الدرجة ذاتها من التأييد الشعبي المتآكل لحرب العراق، لكن ذلك يتوازى أيضاًَ مع الخطوط الحزبية. وهكذا يبقى بوش وكيري في تنافس شديد في كل استطلاعات الرأي. ويؤكد كل ذلك من جديد على الحقيقة التالية: على رغم الهبوط المتواصل في التأييد الشعبي لما سوّقته الإدارة واعتبرته الصفة القيادية الأقوى لدى بوش، سيكون سعي بوش إلى الفوز معركة شديدة وصعبة حتى نهايتها.
وما لم يؤدّ الكشف عن أمور جديدة إلى إضعاف قاعدة تأييد بوش الأساسية بين الجمهوريين أو إلى انفراط عقد الناخبين المنقسمين