كتاب "ماذا بعد: البقاء لما بعد القرن الحادي والعشرين"، هو أضخم ما كتبه "كريس باتن" مفوض العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي، والرئيس السابق لحزب المحافظين البريطاني، إذ يتجاوز عدد صفحاته 500 صفحة تحفل بالوقائع التاريخية، والأحداث العالمية، والتجارب الشخصية، والدروس المستفادة. طبعاً هناك أحداث عالمية كبرى لم يتضمنها كتاب "باتن" لأن عجلة الزمن لا تكف عن الدوران، منها مثلاً أن أميركا قد تعرضت في الآونة الأخيرة لأكبر أزمة مالية منذ الكساد الكبير في عشرينيات القرن الماضي، وأن روسيا قد ارتدت مرة أخرى إلى السياسات الإمبراطورية القيصرية في القرن التاسع عشر حين استغلت خطأً جسيماً وقع فيه رئيس دولة صغيرة مجاورة كي تشن حملة حشدت لها جيشاً جراراً، لتأكيد حضورها وسطوتها على الساحة الدولية. ويرى "باتن" أن الانتخابات الأميركية القادمة لن تغير المشهد الدولي كثيراً، لاسيما بعد أن تعهد المرشح الديمقراطي "باراك أوباما" بإرسال عدد كبير من القوات الأميركية إلى أفغانستان لمحاربة المتطرفين الإسلاميين الذين يحاولون استخدام سلاح الإرهاب لقلب حكومة كارزاي، والاستيلاء على السلطة في باكستان المجاورة. ويتحدث باتن الذي يصفه البعض بأنه آخر الموالين لأوروبا في حزب "المحافظين" البريطاني بعبارات تفيض الدفء عن الاتحاد الأوروبي، ضارباً عرض الحائط بالموقف الرسمي لزعيم الحزب الحالي تجاه الاتحاد وبالموقف الداخلي المناوئ لأوروبا في صفوف أعضائه. ويشير "باتن" في معرض التدليل على مواقف "ديفيد كاميرون" إلى ما كان قد أعلنه غير مرة من أنه سيعرض معاهدة لشبونة للاستفتاء فيما لو تولى منصب رئيس الوزراء، وأنه لن يُصدّق أبداً على تلك المعاهدة. و"باتن" يرى أن هذا الموقف من "كاميرون" يعني أن المرحلة الأولى لحكم "المحافظين"، إذا ما جاءوا إلى السلطة، ستحفل بالسياسات والإجراءات المناوئة لأوروبا ما سيؤدي قطعاً إلى تضاؤل النفوذ البريطاني عبر القنال الإنجليزي وعبر الأطلسي أيضاً. ويرى الكاتب أن العالم سيشهد عودة للنزعات القومية المتعصبة في السياسات الأوروبية، كما سيشهد في نفس الوقت نمواً للقوميات الأخرى وخصوصاً في دول مثل روسيا، والصين، والهند، ودول أميركا اللاتينية. يقول المؤلف إن السياسات الأوروبية منذ 1945 كانت تركز على بناء الهياكل والبُنى الدولية مثل الناتو، والمجلس الأوروبي، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والمحكمة الجنائية الدولية، وبروتوكول كيوتو... وأن الهدف من ذلك كان هو تعزيز القواعد والأنظمة المشتركة، وترسيخ مبادئ التعددية... بيد أن تلك الجهود تواجه في نظر باتين ثلاثة تهديدات: الأول، ذلك الذي تمثله سياسات بوش القائمة على الغزو واستخدام القوة. والثاني هو ارتفاع مد التعصب القومي على النحو الذي تمثل روسيا أبرز نماذجه. أما التهديد الثالث فيتمثل في النزعة المناوئة للأوروبة والتي يدعو إليها اليسار واليمين في بريطانيا -ودول أخرى- بنفس القدر من الحماس. أما بالنسبة للولايات المتحدة فيكشف باتين عن أنه لم يكن يستسيغ بعض مظاهر الثقافة الأميركية، ومنها الأطعمة السريعة، وأنه لم يسبق أن تردد على أي مطعم من مطاعم "ماكدونالدز"، ولا يوافق على ما يدعيه "توماس فريدمان" -فيلسوف العولمة المتحررة من كل قيد- حين يزعم أنه لا يمكن للعالم أن يشاهد حرباً تندلع بين دولتين توجد بهما فروع لماكدونالدز... ويقصد أن تلك الدول غالباً ما تكون متشبعة بالثقافة الأميركية، ومؤمنة بليبراليتها وديمقراطيتها، وبالتالي فإنها لا يمكن أن تدخل في حرب ضد بعضها بعضاً. وباتن يفند هذا الكلام ويقول إنه يفتقر للمصداقية بدليل أن روسيا وجورجيا على سبيل المثال تحفلان بعدد لا يحصى من فروع مطاعم "ماكدونالدز"، ومع ذلك خاضتا أول حرب خلال القرن الحادي والعشرين بين دولتين يحكمهما رئيسان منتخبان ديمقراطياً. والعالم في القرن الحادي والعشرين كما يصوره باتن لا يخلو من خرق للمعاهدات الدولية، ومنها ذلك مثلاً أن روسيا تنوي إرسال مدمرات حربية بأسلحة نووية للرسو في الشواطئ الفنزويلية، وهو خرق واضح لـ"معاهدة حظر الأسلحة النووية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي"(معاهدة تلاتيلوكو).وهذا العالم لا يعرف كذلك حدوداً لكراهيته لشخصيات مثل جورج بوش، وفلاديمير بوتين، وديفيد كاميرون... وكافة الشخصيات الأخرى المصممة على إضعاف مؤسسات كالاتحاد الأوروبي، واستبدالها بعالم مفرط في قوميته! رغم تلك السلبيات والأخطار التي يحفل بها عالم القرن الحادي والعشرين كما يتصوره باتن، إلا أنه ينهي كتابه بنغمة متفائلة، ويرى أنه لا تزال هناك فرص وإمكانيات وقدرات للعقلانية، والخلق، والإبداع، والكرم، والرحمة. صحيح أن القرن الحادي والعشرين لم يبدأ بصورة تدعو للتفاؤل، حيث اندلعت الأحقاد والكراهيات والحروب منذ سنواته المبكرة، وسادته مظاهر الفقر واللامساواة وانعدام العدالة، والأزمات الاقتصادية... والتي ما تكاد الواحدة منها تنتهي حتى تبدأ الأخرى. إلا أن قراءة كتاب مثل كتاب باتين كفيل بأحياء الأمل في نفوس القراء، حيث أنه سيكون بإمكان الساسة في المستقبل التحكم في الأحداث لا تركها تتحكم فيهم وتوجههم حيث تشاء. سعيد كامل ------------ الكتاب: ماذا بعد: البقاء لما بعد القرن الحادي والعشرين المؤلف: كريس باتن الناشر: ألن لين للنشر تاريخ النشر: 2008