هناك موضوعان اثنان حقيقيان لم يتم التطرق إليهما في المناظرة التي دارت حول السياسة الخارجية بين المرشحين الرئاسيين الأميركيين "جون ماكين" و"باراك أوباما". الأول هو: التاريخ الذي ستنسحب فيه أميركا من العراق. والثاني هو: ما الذي يتعين عمله بشأن الحرب في أفغانستان خاصة أن "باراك أوباما" يعتقد أنها الحرب "الحقيقية" التي يجب على أميركا أن تشغل نفسها بها؟ ومع ذلك، ينبغي أن نعرف أنه ليس في مقدور أي رئيس أميركي أن يجد حلًا للحرب سواء في أفغانستان أو العراق، وأن الرئيس الأميركي قد يعتقد أنه يستطيع ذلك، أو يمكن لمستشاريه أن يخبروه بأنه يستطيع ذلك، ولكن الحقيقة هي أن المتغيرات الحرجة التي تتحكم في وضع نهاية لتلك الحرب تقع تماماً خارج نطاق سيطرته بل أيضاً خارج نطاق سيطرة القوات الأميركية وقوات "الناتو". إن ما يحدث في العراق يتم تقريره الآن بواسطة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، من خلال علاقاته مع أعضاء حركة الصحوة السُّنية، ومعظمهم من المتمردين السابقين الذين لا تثق الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة بهم، وأيضاً بواسطة المرجعيات الدينية الشيعية، وحكومة إيران المجاورة. تقول واشنطن إن سياسة ضخ أعداد إضافية من القوات قد أدت إلى كسب حرب العراق.. ولكن السؤال هو: كسبها مَن وأجل مَن؟ على الرئيس الأميركي الجديد أن يقرر ما إذا كان سيطالب -أو يقاتل من أجل- إقامة قواعد عسكرية أميركية دائمة في العراق، كما يريد ماكين وكما لا تريد حكومة المالكي، وإيران، وربما المرجعيات الدينية الشيعية. ويقول "أوباما" إنه سيغلق القواعد الدائمة خلال 16 شهراً وهي الفترة التي حددها للانسحاب من العراق. ولكن المشكلة هنا هي أن "البنتاجون" قد تتساءل في هذه الحالة: ولماذا كانت هذه الحرب إذن، أو حول ماذا كانت تدور؟ ما هي الإجابة التي يمكن تقديمها لـ"البنتاجون" ولقتلى الحلفاء، ومئات الألوف من العراقيين، سواء الذين لقوا مصرعهم، أو الذين فقدوا ذويهم؟ والقرار الأساسي الثاني الذي سيتعين على الرئيس الجديد اتخاذه سيكون بشأن أفغانستان، و"طالبان"، و"القاعدة"، وباكستان. وفي الحقيقة أن ذكر تلك الأطراف بالترتيب الذي وردت به يشير إلى الصراعات المختلفة التي تدور معها. والحال أن الحرب الأولى، هي حرب قوات الولايات المتحدة و"الناتو" ضد الحركة السياسية الدينية المكونة من الأفغان الأصليين من عرقية "الباتان" الذين يريدون استعادة السيطرة على السلطة في بلدهم من الحكومة، التي نصبتها الولايات المتحدة. ويشار إلى أن أحد الأبحاث التي أجراها "مركز الأمن الأميركي الجديد" قد كشف عن حقيقة أن المواطن الأفغاني يدفع خمس دخله تقريباً على هيئة رشاوى حتى يتمكن من كسب لقمة عيشه، وتسيير أمور حياته، وأن الفساد المستشري قد جعل الحكومة تفقد بعض مصداقيتها في أعين الأفغان. وربما تصبح حياة الأفغان أسوأ تحت نظام آخر -أو تحت نظام "طالبان" تحديداً- ولكن أليس من الأفضل أن يقرروا هم ذلك بأنفسهم؟ ويأتي بعد ذلك الجهد الأميركي المتعلق بالقبض على بن لادن، وباقي قيادات تنظيم "القاعدة" الذين يعتقد أنهم لا يزالون يختبئون في الحدود بين باكستان وأفغانستان. والسؤال هنا هو: طالما أن ابن لادن على استعداد للتحول إلى مكان آخر في أي لحظة -إذا كان لا يزال حياً- فما الذي يجعل من الضروري خوض حرب من أجل القبض عليه على حساب الأفغان والباكستانيين، والأميركيين، وعلى حساب تعريض حياة جنود الحلفاء في أفغانستان للخطر.. ألا يعد ذلك ضرباً من المبالغة؟ والصراع التالي هو ذلك الذي يدور بين الحكومة الباكستانية الجديدة، والحركة الإسلامية المتصاعدة داخل باكستان نفسها، والتي تتمتع بنفوذ كبير في المناطق القبلية الحدودية، ويتزايد نفوذها بشكل مطرد في المدن الواقعة شمال البلاد. لقد أصبح من الواضح من خلال التوتر المتزايد بين القوات الأميركية والباكستانية على الحدود، والخسائر في صفوف المدنيين الناتجة عن الهجمات الأميركية داخل باكستان، أن الإسلاميين يستمدون دوافعهم من الكراهية التي يكنونها للحكومة الباكستانية، التي يزعمون أنها تخوض في الوقت الراهن "حرب أميركا" وتسمح للأميركيين بمهاجمة البلاد. وهناك نقطة مهمة أخرى تتعلق بهذا الموضوع وهي أن الجيش الباكستاني الذي يمثل القوة التي تضمن حتى الآن الإبقاء على تماسك باكستان، بما يمتلكه من أسلحة نووية، وبما يحتفظ به من علاقات مع الإسلاميين، وأعضاء "طالبان" الأفغان، يعد أداة مهمة في يد الحكومة المركزية حيث لا يزال يحافظ على قدراته الاحترافية، وولائه الوطني، الذي يدفعه دوماً للعمل على الاحتفاظ بتكامل التراب الوطني لباكستان والمحافظة على استقلالها، وهو الآن لا يتفاعل بالقدر الكافي مع المطالب الأميركية التي تدعوه إلى طرد "طالبان" ومطاردة عناصرها وتسليمهم للجيش الأميركي بصرف النظر عن الخسائر التي ستلحق المصالح الباكستانية من جراء ذلك. وفي الأيام الماضية تسربت رسالة من السفير البريطاني في كابول تنبأ فيها بأن "الناتو سيخسر الحرب ضد طالبان". كما أفاد خبر نشر في صحيفة "الصنداي" اللندنية أن القائد العسكري البريطاني في أفغانستان يرى هذا الرأي نفسه، علاوة على أن الكثيرين من الأميركيين في أفغانستان يعبرون عن ذات الرأي تقريباً. والسؤال هناك هو: ما السبب الذي يجعل هؤلاء كلهم يتبنون الرأي نفسه؟ والإجابة هي أن منطق هذه الحرب على وجه التحديد هو أنه كلما تم إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان وباكستان كلما زاد غضب الكثيرين في البلدين، وكلما أدى ذلك إلى تقديمهم للمزيد من الدعم لـ"طالبان" ضد الأجانب. فهل هناك أحد قادر على أن يخبر باراك أوباما وفريقه -لأنهم الوحيدون في السباق الانتخابي الرئاسي الذين يمكن أن ينصتوا- بأن هذه الشبكة المعقدة من الصراعات ليست لها أي علاقة ذات شأن بالمصالح الوطنية الأساسية للولايات المتحدة الأميركية، التي لا ترتبط مصالحها الوطنية بأي شكل من الأشكال بمن يحكم تلك المناطق الجبلية، التي لا يمكن غزوها أو اختراقها في آسيا الوسطى؟ ----------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"