من البديهي أن تكريس علاقات مستقرة وودية بين الدول يتطلب، عندما تبرز على الساحة قضية ما، الأخذ بعين الاعتبار رؤية الطرف الآخر وفهم موقفه. ولعل الصراع الأخير الذي دار بين الغرب وروسيا بشأن اجتياح هذه الأخيرة للأراضي الجورجية، مثال حي على مدى غياب هذا الفهم لدى الولايات المتحدة فيما يتعلق بوجهة النظر الروسية، ليس فقط بشأن ما حدث في جورجيا، بل فيما يتصل بمجمل العلاقة المتوترة بين الطرفين خلال الفترة الأخيرة. فالفكرة السائدة اليوم هي أن روسيا أخذت في السنوات الأخيرة تبتعد عن الغرب وصارت إلى تبني بعض المواقف المعادية أحياناً لحلفاء أميركا في الجوار. لكن بإلقاء نظرة فاحصة نجد أن العكس هو الصحيح، حيث أن النزاع الروسي الجورجي ما هو سوى نتيجة منطقية لابتعاد الغرب عن روسيا وسعيه إلى محاصرتها بكافة السبل والوسائل وكأن الحرب الباردة لم تطمر بعد. ولنتذكر أن روسيا كانت في حاجة إلى صديق يقف إلى جانبها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، يمدها بالنصيحة ويساعدها على الانفتاح والتحول إلى بلد ديمقراطي مرتبط بالغرب وتصلها به علاقات ودية قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام الراسخ. ولم يكن وقتها يدور في خلد روسيا غير الولايات المتحدة باعتبارها البلد المتزعم للمنظومة الغربية والقادر على مد يد المساعدة لروسيا في لحظات حرجة من تاريخها. لكن ما حدث كان مخيباً للآمال، إذ رغم الاستعداد الواضح الذي أبدته القيادة الروسية وقتها عندما كانت الأزمة تحاصر الاقتصاد إثر انهيار الاتحاد السوفييتي وكان المواطن الروسي يعاني الأمرّين بعدما تبخرت مدخراته وبات يقف في صفوف طويلة لشراء حاجياته. ورغم رغبتها في الاندماج بالمؤسسات الغربية، لم يبذل الغرب ما يكفي من جهد للقاء بروسيا ولو في منتصف الطريق. وفيما كانت روسيا تنتظر مساعدات مهمة، فوجئت بأن السنوات الطويلة من المفاوضات والإصلاحات الاقتصادية المؤلمة التي قامت بها، انتهت كلها إلى مجرد قروض شحيحة من البنك الدولي لا ترقى أبداً إلى حجم التوقعات والانتظارات الروسية. ولأني عملت في حكومة الرئيس الأسبق، بوريس يلتسين، كنائب لرئيس الوزراء، فإني أعرف جيداً كيف سعى الغرب إلى إقناع موسكو في عز أزمتها الاقتصادية بتحمل أعباء الديون المستحقة للاتحاد السوفييتي والاستمرار في سدادها، وهو ما قامت به روسيا بالفعل وأبدت موافقتها على بذل تضحيات جسيمة أملاً في أن يغير ذلك من النظرة الأميركية والغربية عموماً تجاه روسيا ويتم تفهم مطالبها. ومع الأسف لم يتحقق أي من تلك التطلعات وانتهى الأمر بحكومة يلتسين معزولة بدون حلفاء أو مؤيدين داخل روسيا، بعدما تحولت في نظر الرأي العام إلى مجرد دمية في أيدي الغرب الذي يملي عليه سياسات معينة ويدفعه في اتجاه أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه مهين لكرامة روسيا. لذا ليس غريباً في ظل هذه الأجواء المحتقنة وشديدة الصعوبة بالنسبة لروسيا أن يصعد نجم فلاديمير بوتين ويتولى السلطة بتفويض شعبي واسع في عام 1999. واليوم ينظر الغرب إلى بوتين على أنه معاد للديمقراطية بعد الإجراءات التي اتخذها واحتكاره لمفاصل السلطة، ناسياً أن بوتين كان أول من ساند أميركا بعد هجمات 11 سبتمبر وقدّم لها مساعدات مهمة في أفغانستان. وفي المقابل كانت مطالب بوتين بسيطة وقد تمثلت في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وإسقاط التأشيرة على المواطنين الروس الراغبين في دخول دول الاتحاد الأوروبي، ثم تعزيز التعاون بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، وهي المطالب التي لم يتحقق منها شيء رغم الوعود الفضفاضة التي أطلقها الغرب. ولنتخيل مثلاً لو أن روسيا أُدمجت في المنظومة الغربية وأصبحت جزءاً من المؤسسات التي كانت تطمح للانضمام إليها، حينها كان يمكن أن يوجد توازن إيجابي بين فساد النظام القضائي في روسيا وخضوعه للضغوط الإدارية وبين التقاليد القضائية الأوروبية، كما أن علل النظام الانتخابي الروسي كانت ستخفف منها التشريعات الأوروبية والبرلمان الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك سيحدث توافق بين السياسة الاقتصادية للحكومة الروسية وبين المعايير المعمول بها في الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية، كما أن الاستقلال العسكري الروسي ستحد منه قواعد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ناهيك عن تغير واقع حقوق الإنسان في روسيا وتحسنه على نحو كبير. وما كان للغرب أن ينجح في علاقاته مع روسيا إلا في ظل هذا السيناريو القائم على إدماجها في مؤسساته الرئيسية وفتح المجال أمامها لتبني المعايير الغربية، لكن بدلاً من ذلك سلك الغرب طريقاً مغايراً وفضل محاصرة روسيا بالصواريخ ومحطات الرادار، كما نشر العديد من الأسلحة التقليدية على مقربة من حدودها. ولابد من الإشارة إلى أنه من السذاجة أن نتوقع من روسيا تقديم تنازلات مثل المصادقة على معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا تحت هذه الشروط، حيث تشير استطلاعات الرأي اليوم في روسيا إلى أن تبني سياسات مؤيدة للغرب، دون الحصول على مقابل، ستكون بمثابة انتحار سياسي للقادة الروس، كما أن المؤسسة العسكرية لن تقبل بتنازلات تراها مجحفة. أما فيما يتعلق بالنزاع مع جورجيا فإن الأمر ينطوي على العديد من التناقضات كشفت عنها الطريقة التي تعاملت بها كل من روسيا والولايات المتحدة مع القضية؛ ففيما كان الروس يذرفون دموع التماسيح على المجازر التي ارتكتب ضد الأوسيتيين، معبرين عن غضبهم من قصف "تشخنفالي"، نسوا ما ارتكبوه هم أنفسهم في الشيشان قبل سنوات قليلة فقط. وليست أميركا بأفضل حال عندما لجأت إدارة بوش إلى تبريرات واهية لغزو العراق وتدمير بلد بأكمله مؤججة ظاهرة الإرهاب الديني، ومتسببة في قتل عشرات الآلاف من المدنيين. ولفهم التحرك الروسي في جورجيا، على الغرب أن يفهم بأن روسيا لا ترى نفسها الطرف الخاسر في الحرب الباردة، ثم علينا أن نرجع إلى التاريخ لاستخلاص الدروس، وتحديداً إلى معاهدة فرساي في عام 1919 عندما أُخضعت ألمانيا المنهزمة في الحرب العالمية الأولى إلى شروط استسلام مهينة مهدت الطريق لاندلاع حرب أخرى أكثر شراسة، ولو أن المنتصرين تفهموا وجهة النظر الألمانية لاتخذ التاريخ مساراً مختلفاً. ألفريد كوخ نائب رئيس الوزراء الأسبق في حكومة بوريس يلتسين ----------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"