انتهيت في المقال السابق حول الأزمات المالية التي يمر بها العالم، إلى أهمية اعتماد نظام الاقتصاد الإسلامي باعتباره يوفر نظاماً مالياً سليماً يخلو من الإشكاليات الخطيرة التي تكمن في بنية النظامين الاشتراكي والرأسمالي بسبب الربا. فالاقتصاد الرأسمالي يعاني من نواقص وعيوب كثيرة منها مثلاً: (1) تحول الحرية إلى احتكار وتعامل ربوي يفتك بالمجتمع، حيث يتغلب القوي على الضعيف وتتغلب المشاريع الأكثر قوة على الأقل قوة بحيث تصبح المشروعات الضعيفة أمام خيارين، الانضمام إلى المشروعات الأكثرة قوة أو الانسحاب نهائياً من السوق، وبذلك ينشأ الاحتكار. (2) استخدام أسلوب الإقراض "الربوي" كأداة لتحقيق التراكم الرأسمالي ولإطلاق الصراع والتنافس من أجل زيادة الثروات ورؤوس الأموال، رغم الأضرار والمخاطر الكبيرة التي يتعرض لها المجتمع جراء هذا التعامل الربوي. (3) عجزه عن توجيه الموارد نحو المجالات الأكثر أهمية للفرد والمجتمع، حيث تتوجه الموارد إلى المشاريع التي تحقق مستوى عاليا من الربح، حتى ولو كانت ضارة بشدة للمجتمع، مثل إنتاج الدخان والمشروبات الكحولية وتجارة القمار... وغيرها من المشروعات عديمة الفائدة والإنتاج. (4) التفاوت الحاد في توزيع الدخل بسبب الحرية المطلقة غير المقيدة بضوابط، بحيث يصح للقوي أن يستنزف أموال الفقراء، وأن يحتكر ويرفع الأسعار باسم حرية السوق لتحقيق أعلى مستوى من الربح على حساب المجتمع كله، وهذا ما يجعل الثروة تتركز في يد فئة محدودة من الناس. أما نظام الاقتصاد الاشتراكي فيعاني هو أيضاً من بعض العيوب: (1) انخفاض الحوافز والدوافع في العمل الاقتصادي، لأن عائد هذا العمل يرجع للدولة ولا يحصل الفرد منه إلا على دخل تحدده الدولة. (2) سيطرة طبقة معينة أو حزب معين على المجال الاقتصادي من خلال كبار موظفي هذه الطبقة أو الحزب، وهذا بدوره يؤدي إلى تعطيل حالة التطوير والابداع والابتكار في الاقتصاد والمجتمع. (3)هناك تضاد شديد بين المصلحة الاجتماعية والمصلحة العامة. أما نظام الاقتصاد الإسلامي فله فلسفته المتميزة التي يتفرد بها عن غيره من النظم، فهو يقف موقفاً وسطاً بين المذاهب التي غالت في الفردية والمذاهب التي قهرت الفردية بين الرأسمالية المتوحشة بمفهومها الليبرالي الجديد والاشتراكية التي تقهر فطرة الإنسان في التملك والاستثمار، فلم يجرد الإنسان من حريته وحقه الطبيعي في تملك المال، لكنه لم يجعل هذه الحرية مطلقة كما هو حاصل في الاقتصاد الرأسمالي، أو يحرم الفرد منها مثل ما هو في النظام الاشتراكي، بل قيدها بضوابط واضحة وصريحة بحيث لا يخرج الفرد في ممارسته لهذه الحرية عن أوامر ونواهي مالك المال الحقيقي وهو الله تعالى، لأن فلسفة المال في الإسلام، كما يقول شيخ الأزهر السابق محمد شلتوت، هي أن فائدة المال يجب أن تعم المجتمع كله. وإذا كان المال مال الله وكان الناس جميعاً عباد الله، وكانت الحياة التي يعملون خلالها ويعمرونها بما هي لله، كان من الضروري أن يكون المال -وإن ربط باسم شخص معين- لجميع عباد الله، يحافظ عليه الجميع وينتفع منه الجميع. يقول الله تعالى في سورة البقرة: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً". ويقول في سورة الحديد: "آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه". هدف الاقتصاد الإسلامي هو تحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الصحيح والواضح، تحقيق التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة الاجتماعية، بين الروح والمادة، تحقيق النفع العام ومحاربة الربا والاحتكار، لمنع أي ضرر قد يخل بعملية التوازن بين المصلحة الخاصة والعامة، وكي لا تكون هناك أزمات مالية تشكل خطراً على الفرد والمجتمع والتنمية، وكي لا يعاني المجتمع من فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء.