آفة الرأسمالية أنها جعلتنا نعيش لنأكل لا أن نأكل لنعيش، فحولت الاقتصاد من مجرد خادم لوجود الإنسان إلى مخدوم يأخذ الأغلبية الكاسحة من البشر إلى الجري وراء تعظيم الأرباح ومراكمة الوفورات المالية، والاستسلام للمقولات التي ترى أن "الموارد أقل من إشباع الحاجات"، مع أن ما على الأرض من مقدرات يكفي ثلاثين مليار إنسان كما تفيدنا بعض الدراسات الحديثة، لكن العيب في التظالُم البشري والاحتكار وقعود كثيرين عن السعي الحثيث وراء الرزق. ومع الطغيان المادي للرأسمالية وافقناها من دون دراية على أن الاقتصادي الناجح هو "ذلك الشخص الذي يعرف على وجه اليقين أنه ليست هناك وجبة غذاء مجانية"، كما يقول الاقتصادي الشهير ومؤسس النظرية النقدية ملتون فريدمان. وآمنا كذلك بالمبدأ الذي أطلقه آدم سميث "دعْه يعمل.. دعه يمُر" وبهرنا تصوره الزائف حول وجود "يد خفية" توفق العرض والطلب مع المصالح المتعارضة. كما اعتقدنا بصحة قانون الاقتصادي الفرنسي "ساي"، الذي يعتقد أن "العرض يخلق الطلب المساوي له"، وتناسينا كثيراً تفنيد "كينز" لكل هذه الأوهام بعد أزمة الكساد الكبير التي عرفها العالم عام 1929، ورؤيته العميقة التي تقوم على أن تدخل الدولة واجب لمواجهة الأزمات الاقتصادية، ووجودها ضروري لوقف الاختلالات الناجمة عن سوء فهم واستخدام الحريات الاقتصادية. وإذا كانت الرأسمالية قد تمكنت من تجديد نفسها، وتخطي العقبات التي تعترض طريقها بفضل اتكائها على الثورة العلمية والتقنية الرهيبة، فإنها اليوم تقف عند مفترق طرق، وتعيش أزمة كبيرة وليس مجرد وعكة طارئة، يمكن التعافي منها دون مراجعات عميقة لمقولات التصور والمسار الرأسمالي ومعادلاته، التي توهَّم أحد أبنائها المخلصين وهو فرانسيس فوكوياما أنه يمثل "نهاية التاريخ وخاتم البشر". وفي ظني فإن المغالاة في التعويل على المسار الرأسمالي بصيغته الغربية، وطرحه باعتباره الطريق الأوحد للتقدم والخلاص، ساهم في حدة هذه الأزمة. فالرأسمالية ظلت على مدار قرنين كاملين من الزمن يقظة إلى ضرورة تجنب كل ما يؤدي بها إلى طريق مسدودة، ومن ثم استفادت من عطاء الاشتراكية وأفكارها، فاهتمت بالجوانب الاجتماعية، وعنيت بتوفير حد الكفاية أو حتى الكفاف للأفراد، عبر دفع إعانة بطالة، والتوسع في برامج التأمين الاجتماعي، وفرض ضرائب تصاعدية، تأخذ من الثري الكثير ومن الفقير القليل، لمساعدة الدولة على توفير الخدمات التي يتمتع بها الجانبان على حد سواء، ومن دون تفرقة. وازداد هذا التوجه مع عودة بعض الأحزاب اليسارية إلى الواجهة في أوروبا الغربية، وظهور "الطريق الثالث" الذي يبدو حاصل جمع الرأسمالية مع الاشتراكية وقسمتهما على اثنين. كما استفادت الرأسمالية من عطاء العلم، وجنيت حصاد إنفاقها الطائل على البحث، وتحويلها المعامل إلى مستودع سحري لسد أي عجز أمام طفرات التصنيع التي لا تهدأ، وبذلك تغلبت على تقلص قاعدتها الإنتاجية، وحرمانها من الخامات الطبيعية الرخيصة التي كانت بمتناول يدها في الماضي بفعل حركة الاستعمار الممتدة والمتوغلة. وفي ظل يقظتها استعاضت الرأسمالية عن الجغرافيا التي انحسرت من تحت أقدامها إثر غروب زمن الاستعمار التقليدي بتعزيز نفوذها الاقتصادي في العالم المعاصر، عبر ربط أطراف رأسمالية صغيرة في بلدان العالم الثالث بمراكز رأسمالية كبيرة في الدول المتقدمة صناعيّاً، فيما عرف بنظرية "التبعية"، وكذلك عبر تحويل الدول التي استقلت عن الاستعمار إلى سوق رائجة لبضائع الغرب الاستهلاكية، وإلى معامل مفتوحة لتجريب الكثير من النظريات الغربية في الإنسانيات والطبيعيات في آن، وتحويل ممارسات الغربيين وتصوراتهم ومنظومة قيمهم إلى قطب لافت لعيون مليارات البشر في مختلف أرجاء المعمورة. لكن هذه اليقظة لم تلبث أن قطعتها سِنة من نوم عميق، حين تملك الغرور من رؤوس الرأسماليين وأياديهم، فتصوروا أن الليبرالية بشقها الاقتصادي المتجسد في الرأسمالية، وليس بشقها السياسي المتمثل في الديمقراطية، هي قدَر لا مفر منه أمام كل من يروم تقدماً ورفعة للدولة والفرد، ولم يلتفت هؤلاء المغرورون إلى أصوات تعالت من أفواه بعض المفكرين الغربيين أنفسهم، انتقدت دعاة "المركزية الغربية" الذين يستهزئون مما لدى أبناء الحضارات الأخرى من أفكار وأساليب لتسيير الحياة على الأرض، ويكفرون بـ"شجرة المعرفة الإنسانية" التي تؤكد أن كل البشر قد شاركوا في صناعة التقدم الراهن، عبر دورات حضارية انطلقت من مصر القديمة ومعها بلاد الرافدين، وانتهت في أوروبا الحديثة، مروراً بالحضارات الإغريقية والرومانية والفارسية والعربية- الإسلامية. ولم يلتفت غلاة الرأسماليين كذلك إلى تحذير الأديان السماوية من تحويل الإنسان إلى عبدٍ للدولار، والانحراف به عن غاية خلقه، ومهمة وجوده على هذه الأرض. وقد لفت هذا الانحراف أنظار بعض الحركات الاجتماعية في البلدان المسيحية، فظهرت حركة لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية، التي لم يرُق لها تطويع رسالة المسيح عليه السلام لخدمة الرأسمالية، مثلما فعل ماكس فيبر الألماني في حديثه عن الروح الرأسمالية للبروتستانتية، وظهرت عن بعد رؤى نقدية عنيفة للمسلك الرأسمالي على أيدي بعض الكُتاب والمفكرين الإسلاميين، مُقدماً تصوراً مبدئياً عن صراع الحضارات الذي وسعّه صمويل هنتينغتون وأضاف إليه ومنحه بعض التبريرات النظرية والعملية. كما هاجم عبدالوهاب المسيري منطق "اللذة" الذي يسيطر على الرأسمالية المعاصرة، وكتب إسلاميون كثر عن خطيئة الانحياز الغربي إلى "الفردية" وراحوا يقدمون البديل، الذي جسده أحمد سيكو توري في كتابه الصغير المهم "الإسلام دين الجماعة". وظهرت كتابات لا تحصى تهاجم المعاملات الربوية، وتنبئ بأنها ستقود العالم إلى الهلاك. لكن صوت أتباع الأديان السماوية ضاع وسط إصرار الرأسماليين على التقدم في مسارهم مهما كانت النتيجة، ووسط فشل منتقدي النظريات الاقتصادية الحديثة في تقديم بديل متماسك ومتكامل، والاكتفاء بمقولات فضفاضة تدور في الغالب الأعم حول القيم الأخلاقية. ولم يلتفت غلاة الرأسمالية أيضاً إلى أطروحات الماركسية حول ما تفعله تصرفات الرأسماليين من إذكاء الصراع الطبقي، وكيف يؤدي هذا إلى تحلل النظام الرأسمالي وانهياره تحت أقدام ثورة "البروليتاريا". ولم يقف هؤلاء طويلاً أمام حديث الماركسية أيضاً عن الاستعمار بوصفه أعلى مراحل الرأسمالية، فاندفعت الجيوش الغربية مرة أخرى إلى العالم الثالث، متخذة من حدث 11 سبتمبر ذريعة لتحقيق رغبة المُركب الصناعي- العسكري الأميركي في إعادة العالم إلى زمن الاستعمار التقليدي، فتم احتلال أفغانستان والعراق والصومال (عبر إثيوبيا)، والتهديد غير مرة بتطوير الهجوم ليطول بلاداً أخرى، ثم تمدد نفوذ حلف شمال الأطلسي "الناتو" شرقاً وقضم "المجال الحيوي" لروسيا الاتحادية، لاسيما بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأميركية قواعد عسكرية لها في آسيا الوسطى والقوقاز. ولولا صمود المقاومة في العراق وأفغانستان والصومال، واستعادة روسيا زمام أمرها وبعض مجدها الضائع، لتطورت هذه الحركة الاستعمارية وأعادتنا إلى زمن الإمبراطوريات التي لا تغرب عنها الشمس. ولاشك أن هذا الاندفاع الاستعماري هو أحد الأسباب الرئيسة للأزمة المالية الراهنة، وليست مصادفة أن يكون مقدار المبلغ الذي تدخلت به الحكومة الأميركية لإنقاذ الاقتصاد يساوي حجم تكلفة الحرب على العراق واحتلاله وهو سبعمائة مليار دولار. لكن يبقى هناك من لم يلتفت أكثر إلى كل ما يجري، ألا وهم بعض صانعي القرار الاقتصادي في بلادنا، حيث لا يزالون مخلصين لولعهم بالاقتصاد الرمزي الذي يقوم على وفورات مالية يُضارب بها الناس في البورصات من دون أن تقابلها قواعد إنتاجية حقيقية، ويؤمنون بأن الخصخصة المفتوحة على مصراعيها والدولة المنكمشة إلى أدنى حد هي طريق الخلاص لمجتمعاتنا من التخلف الاقتصادي.