حيرة وقلق كبيران يحيطان بالمستثمرين في الأسواق الخليجية والعربية، وبالأخص بعد أن خسر عدد كبير منهم مدخراتهم وأصبح المستقبل أمامهم قاتماً، ما يجعل اتخاذ أي قرار استثماري في مثل هذا الوقت بمثابة مقامرة غير محسوبة النتائج. والحكمة والهدوء أمران مطلوبان في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد العالمي، والعواقب لا زالت تتوالى تباعا لتنتقل من بلد إلى آخر ومن منطقة جغرافية إلى أخرى. ومن حسن الحظ في منطقة الخليج والمنطقة العربية أن ذيول هذه الأزمة مقتصرة حتى الآن على أسواق المال "البورصات" ولم تطل قطاع المصارف أو الرهونات العقارية أو قطاع الخدمات المزدهر وسوق العمل في منطقتنا، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة وأوروبا. والحال أن القطاع المصرفي لا زال يتمتع بوضع جيد بشكل عام، وذلك لأنه، أولًا، لم ينغمس بصورة كبير في علاقاته مع المؤسسات المتورطة في أزمة الرهن العقاري. ثانياً، أن البنوك المركزية في المنطقة تملك السيولة اللأزمة للتدخل في الوقت المناسب. وبالتأكيد، هناك خسائر من خلال الودائع الموظفة في البنوك الأميركية والأوروبية التي أعلنت إفلاسها، إلا أن هذه المشكلة بدورها تحت السيطرة، ويمكن معالجتها بالتنسيق مع المصارف المركزية التي ضخت حتى الآن سيولة متواضعة في الأسواق، مما يدل على أن التأثيرات لا زالت بسيطة، وأن القطاع المصرفي قادر على التعامل مع هذه التأثيرات. أما قطاعات الخدمات والمواصلات وسوق العمل، فإنها جميعاً تعمل وفق معدلاتها العادية، على رغم أن هناك بعض التردد في بلدان المنطقة، وهذه مسألة طبيعية في مثل هذه الظروف، فالمستثمرون بحاجة إلى بعض الوقت لانجلاء الموقف ومعرفة العواقب التي ستتمخض عنها هذه الأزمة، علماً بأن الائتمان المصرفي المقدم للقطاع العقاري يعتبر ضمن الحدود الآمنة في بلدان مجلس التعاون الخليجي، والذي لا يتجاوز 20%، كما أن البنوك ومؤسسات التمويل العقاري لم تجازف في تمويلات غير مضمونة أو قروض بدون ضمانات كافية، وهذه مسألة في غاية الأهمية. وإذا ما أخذنا الشركات المساهمة والمدرجة في البورصات الخليجية، فإننا سنجد أنها تحقق نتائج جيدة، بما فيها المصارف التي تعتبر معرضة أكثر من غيرها للتأثر بالأزمة المالية في العالم. وإذن فإن ما نراه في أسواق المال الخليجية والعربية هو عبارة عن رد فعل لما يجري في البورصات العالمية، وهذا أمر طبيعي، فالاقتصاد العالمي أصبح مترابطاً أكثر من أي وقت مضى، وعلينا إدراك هذه الحقيقة واتخاذ قراراتنا الاستثمارية على أساسها. والراهن أن الاوضاع معقدة على المستوى العالمي، وذلك قبل أن تفعل الاجراءات المتخذة أميركياً وأوروبياً، وتأخذ مجراها الطبيعي في محاولة لمحاصرة الأزمة والحد من تأثيراتها المدمرة. ومن ثم فإن ما تعرضت له أسواقنا المالية في المنطقة له جوانب نفسية أكثر منها موضوعية بسبب الهلع الذي أصاب صغار المستثمرين، فلو كان الخلل لدينا أعمق لامتد ليشمل القطاع المصرفي والخدماتي وسوق العمل وبقية القطاعات الاقتصادية التي لا زالت في مأمن من عواقب هذه الأزمة، بدليل الارتفاع الكبير في البورصات المحلية بعد مباركة صاحب السمو رئيس الدولة وقرارات صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء والتي أشاعت الثقة والاطمئنان، حيث كانت الأسواق بحاجة ماسة إلى هذه القرارات. وبصورة مبسطة جداً فإن التوزيعات السنوية المتوقعة ستدر دخلًا يقدر بنسبة 8-10% بأسعار أسهم معظم الشركات في الوقت الحاضر، وهذه نسبة كبيرة تساوي نسبة العائد في القطاعات الأخرى، ولذلك فمن غير الحكمة أن يتخلص صغار المستثمرين من أسهمهم عند مستويات الأسعار الحالية وتسييل مدخراتهم وتحويلها إلى ودائع في البنوك بنسبة فوائد أو أرباح كما تسمى في البنوك الإسلامية لا تتجاوز 2%، علماً بأن الأسواق ستستعيد مكانتها ولو بعد حين، مما يعني تعويض الخسائر الدفترية التي تكبدها المستثمرون في بورصات المنطقة. وفي المقابل فإن القرارات المنطقية للمستثمرين، والتي تتم بهدوء ومهنية تختلف عن تلك القرارات الاستثمارية المتخذة بدافع الهلع والخوف، فالأول عادة ما يحافظ على قيمة مدخراته ويربح، في حين يتكبد الثاني خسائر كبيرة دون مبررات مقنعة. أما فترة ما بعد الأزمة، فهي بحاجة إلى تقييمات وإعادة نظر في العديد من الأنظمة والقوانين التي تحكم الأسواق المالية في المنطقة، وبالأخص استكمال هذه الأنظمة والتشريعات بهدف التأسيس لأسواق ناضجة وقادرة على التعامل مع الأزمات الطارئة.