هناك حقيقة مؤكدة وهي أن الإنسانية تمر الآن عبر عمليات سياسية واقتصادية وثقافية معقدة من مرحلة المجتمع الصناعي إلى عصر مجتمع المعلومات العالمي الذي يتحول -ببطء وإن كان بثبات- إلى مجتمع المعرفة. ففي المجتمع الصناعي كان المفهوم المحوري هو "السوق" الذي أبرز طبيعته وكيفية عمله المفكر الاقتصادي "كارل بولاني" في كتابه الشهير "التحول العظيم" الذي صدر منذ أكثر من سبعين سنة، ومازال حتى الآن هو المرجع الأول في الموضوع. أما في مجتمع المعلومات العالمي فإن المفهوم المحوري هو "الفضاء المعلوماتي" Cyber Space. وقد قمت -في محاولة مني لفهم العالم المتغير- برصد التحولات الاقتصادية لفهم الممارسات الرأسمالية الراهنة، فنشرت سلسلة مقالات عن بروز نمط جديد أطلقت عليه "الاقتصاد السياسي للرأسمالية المعلوماتية" (راجع كتابي: أزمة المجتمع العربي المعاصر: غياب الحداثة في عصر العولمة). وهذا النمط الجديد من الرأسمالية انعكاس للتحولات الكيفية في بنية المجتمع العالمي، وأهم ملامحها الانتقال من طبيعة الرأسمالية التقليدية التي كانت تركز على إنتاج السلع من خلال عمليات تصنيع ثقيلة وخفيفة، إلى "الرأسمالية المعلوماتية" التي تركز الآن على إنتاج العلامات والصور، مستفيدة من الثورة الاتصالية الكبرى وعلى رأسها شبكة الإنترنت. وفي سياق تتبع هذا التحول الكبير اهتممت اهتماماً خاصاً بعرض نظرية الصحفية الكندية "ناعومي كلين" التي عرضتها في كتاب نشر باللغة الإنجليزية وترجم إلى عشرات اللغات عنوانه "لا للعلامات التجارية" No Logo، وفيه نقد عنيف للشركات دولية النشاط التي غزت السوق العالمي من خلال خلق صور جذابة لمنتجاتها، أصبحت تؤثر في السلوك الاستهلاكي لملايين البشر في البلاد الغنية والفقيرة على السواء. وذلك مثل منتجات "أديداس" و"نايك" للملابس الرياضية، وغيرها عشرات من العلامات التجارية. واستطاعت "ناعومي كلين" بعمق شديد أن تبرز الآثار السلبية الخطيرة لنقل المصانع من البلاد المتقدمة إلى البلاد النامية، وما خلقته من بطالة واسعة في الفئة الأولى، ومن استغلال للأيدي العاملة الرخيصة في الفئة الثانية. وما لبثت "ناعومي كلاين" أن نشرت كتاباً جديداً أثار ضجة عالمية عنوانه المثير هو "مذهب الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث" وذلك عام 2007 في نيويورك، عن دار نشر "متروبولتيان". وفي هذا الكتاب تشريح دقيق لبنية الرأسمالية المتوحشة المعاصرة، يقوم على مفهومين "الصدمة والكارثة". وتقصد بالصدمة إحداث تغييرات جوهرية عنيفة في الاقتصاد لكي تصبح حرية السوق مطلقة، وإلغاء كافة صور تدخل الدولة، وخصخصة المشاريع العامة في التعليم والصحة، وفي الإنتاج بكل صوره، ويتم ذلك عن طريق إحداث صدمة شبيهة بالصدمات الكهربية التي يعالج بها الأطباء النفسيون بعض المرضى العقليين، كما أن صقور الإيديولوجية الرأسمالية المتطرفة عادة ما يستفيدون من الكوارث الطبيعية أو غيرها التي تحدث في أي بلد، لتطبيق سياستهم الاقتصادية التي تقوم على حرية السوق حتى لو أضر ذلك بملايين المواطنين، مما يترتب عليه أن تثرى القلة ثراء فاحشاً على حساب ازدياد معدلات الفقر بين البشر. وتضرب "ناعومي كلاين" مثالاً بارزاً على ذلك بالإعصار الذي يطلق عليه في الولايات المتحدة الأميركية "كاترينا" والذي اجتاح منطقة "نيوأورليانز" ودفع بسكانها وأغلبهم من الفقراء إلى النزوح عنها. فقد هجمت عليها الطغمة الرأسمالية من المستثمرين المغامرين وقرروا بدعم وتأييد من إدارة الرئيس بوش تحويل المنطقة إلى منتجعات سياحية، ومنع السكان الأصليين من العودة إليها. (ويبدو أن هوس إقامة المنتجعات السياحية أصبح علامة مميزة على هذا النمط الجديد من الرأسمالية المتوحشة!) غير أن أخطر ما ذهبت إليه "ناعومي كلاين" في كتابها المثير أن الرأسماليين الجدد إن لم يجدوا كارثة طبيعية أو اجتماعية لكي يحولوها -ضد مصلحة الغالبية من الناس- إلى فرصة للاستثمار الذي يعود عليهم بملايين الدولارات، فإنهم يختلقون هذه الكوارث اختلاقاً! وتضرب "كلاين" أمثلة متعددة من أميركا اللاتينية في عهد الديكتاتور بونوشيه إلى الغزو الأميركي للعراق، الذي أدى إلى غزو الشركات الأميركية الكبرى للسوق العراقي بعد أن تم تخريب البلد، وإلغاء كافة مؤسسات القطاع العام، والتحول إلى الاقتصاد الحر، حيث جنت هذه الشركات بلايين الدولارات من خلال الاستثمار في عقود "إعادة الإعمار"، والفساد والنهب المنظم، بالتعاون مع بعض العملاء العراقيين في الحكومات التي تشكلت في ظل الاحتلال الأميركي. ولو استعرضنا ردود الفعل على كتاب "ناعومي كلاين" لوجدنا خليطاً من التأييد والمعارضة. ومن بين المؤيدين المتحمسين أسماء كبيرة مثل المؤرخ الأميركي الشهير "هوارد زين" المعارض للغزو الأميركي للعراق، وصاحب كتاب "تاريخ شعبي للولايات المتحدة الأميركية" الذي سجل فيه تاريخ الاستغلال الأميركي من وجهة نظر المقهورين، ابتداءً من الهنود الحمر حتى مغامرات الطغمة العسكرية الأميركية في حرب فيتنام. وكذلك الأكاديمي الإنجليزي المعروف "جون جراي" مؤلف كتاب "الفجر الكاذب" الذي ينقد فيه العولمة نقداً لاذعاً، وقد ترجم الكتاب إلى العربية ونشر في "المشروع القومي للترجمة في مصر". غير أنه على عكس المؤيدين تولى عدد من الكتاب والمفكرين المعارضة الشديدة لأفكار الكتاب، من بينهم "جوزيف ستجليتز" أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، وذلك في تعليق مهم نشره في جريدة "الهيرالد تريبيون" في 28 سبتمبر 2007. ويقرر "ستجليتز" في عرضه أن "كلاين" حاولت في كتابها تأمل التاريخ الاقتصادي في الخمسين عاماً الماضية، وتتبع صعود ما أطلق عليه "أصولية السوق الحر" حول العالم Fundamentalism. وأحب أن أقف أمام وصف هذا العالم الاقتصادي الأميركي الكبير لأنصار السوق الحر بلا أي حدود أو كما يقول "الأصوليون" تشبيهاً لهم بأنصار الأصولية الدينية في أي دين، الذين يعتقدون وهماً أنهم يملكون الحقيقة المطلقة! وقد رأينا في مصر والعالم العربي "أصوليين اقتصاديين" من هذا النمط ممن يقلدون تقليداً أعمى زملاءهم في البلاد الغربية، فانطلقوا -بغير خطة رشيدة- لنسف كافة مؤسسات وشركات القطاع العام، وبيعها بأثمان بخسة للمستثمرين الأجانب أو العرب، من خلال برنامج غير مدروس للخصخصة، أدى إلى كوارث اجتماعية، من أبرزها تسريح آلاف العمال أو إحالتهم إلى المعاش المبكر، ودفعهم بذلك دفعاً إلى دوائر الفقر المدقع. ولم يقنع "الأصوليون الاقتصاديون" من أنصار حرية السوق المطلقة بخصخصة شركات القطاع العام، ولكنهم زحفوا إلى مؤسسات التعليم، وهناك محاولات الآن لخصخصة التأمين الصحي، وحتى خصخصة الإسعاف بحيث لا يقدم خدماته الإنسانية إلا لمن يدفع! وهناك اقتراحات مطروحة من قبل بعض أنصار هذه الأصولية الرأسمالية المتطرفة لخصخصة التأمين والمعاشات، بعد أن استولت الدولة بغير حق على مبالغ ضخمة من رصيدها لسد عجز الموازنة. وبلغ تأثير هذه الأصولية الاقتصادية على عقول بعض الكُتاب من الأنصار المحدثين للرأسمالية حداً جعل بعضهم يزعم علناً أن إحدى وسائل نقل الفقراء إلى عالم الثراء هي تشجيعهم على المضاربة في البورصة! وتبدو المفارقة الحقيقية في أن "ناعومي كلاين" حين كتبت كتابها الذي نشر عام 2007 كانت الرأسمالية في عز ازدهارها، ولذلك جاءت نظريتها لتثبت أن هذا الازدهار مصطنع، لأنه يقوم على إحداث الصدمات في بيئة المجتمعات من ناحية، وهو نتيجة للكوارث الطبيعية أو الاجتماعية من ناحية أخرى، مما أتاح الفرصة للمستثمرين الرأسماليين لأن ينقضوا لكي يقيموا مشاريعهم حتى ولو كان ذلك على حساب الملايين من الفقراء. وحتى تزيد "كلاين" من درامية القصة قررت بثقة مطلقة أن الرأسمالية المتوحشة لو لم تجد كارثة فإنها تصطنعها اصطناعاً حتى تقيم مشاريعها التي لا تستفيد منها سوى القلة من البشر، وهي نخبة الرأسماليين المتحالفين تحالفاً عضوياً مع نخبة السلطة. كان تحليل "ناعومي كلاين" لبنية الرأسمالية المتوحشة سائغاً إلى حد كبير -إذا ما تغاضينا عن بعض مبالغاتها- حتى وقعت الواقعة، وانهارت الرأسمالية في الولايات المتحدة الأميركية، تماماً كما انهار البرجان الشهيران في أحداث 11 سبتمبر 2001. غير أن الانهيار هذه المرة لم يكن بفعل فاعل، بل لأن هذه الرأسمالية المتوحشة التي قامت أساساً على المضاربات المالية وعلى استغلال البشر، وعلى استحواذ القلة من الرأسماليين والمديرين على أرباح وأجور خيالية، هي السبب الحقيقي للانهيار. ومن هنا ثارت تساؤلات في أميركا وفي أوروبا على السواء: هل هي نهاية للرأسمالية، بعد أن تدخلت الدولة الأميركية -على عكس كل القواعد المقدسة للاقتصاد الحر- بضخ أكثر من 700 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب في محاولة لإنقاذ الرأسمالية من الانهيار التام؟ لقد صدقت نبوءة الاقتصادي النمساوي الشهير "شومبيتر" في كتابه المعروف "الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية" حين قرر "أن الرأسمالية لابد أن تنفجر في وقت ما، لأن هناك تناقضاً أساسياً بين جماعية عملية الإنتاج الاقتصادي وفردية الاستحواذ على الفائض"! وبعبارة أخرى فإن ملايين البشر يعملون في الحقول والمصانع ليصب ناتج جهدهم وعرقهم في جيوب مجموعة قليلة من الرأسماليين الذين عزلوا أنفسهم عن شعوبهم، واصطنعوا أسلوباً للحياة الباذخة في محيط من الفقر المدقع!