الكل يشكو جمود الوضع، والكل يُحمِّل الآخر المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في الكويت من حالة احتقان غير مبررة . دولة صغيرة وثروة كبيرة، ويستغرب المرء كيف يُخيم على هذه الدولة مناخ اللامبالاة ويستمر نهجها القديم دون اكتراث لتردي أحوالها؟ فأينما تلتفت ترى ما لا يسر النفس ، فالخدمات العامة تجمدت وتردت، والمشاريع الحيوية توقفت ما عدا مشاريع المصالح، فهي سائرة لا تتأثر بما يحدث في البلاد. خلال الأيام الفائتة حضرتُ بعض لقاءات لمجموعات سياسية نشطة في العمل الوطني، وكل مجموعة تشكو تردي الوضع العام، وكل مجموعة تبحث عن مخرج. مجاميع سياسية تعقد العزم على صيغة وطنية للخروج من الأزمة عبر عقد لقاءات مشتركة على اعتقاد بأن مثل هذه اللقاءات سوف تحل ما تعيشه الكويت من تراجع على كافة المستويات. في لقاء مع الإعلامي القدير محمد القحطاني، ضمن برنامج "أوراق خليجية" حول مذكرات الدكتور أحمد الخطيب، وبمشاركة أحد مسؤولي الحركة الدستورية الأستاذ مبارك الدويلة، سأل إذا ما كنا في الكويت بحاجة الى عقد مؤتمر جديد على غرار "لقاء جدة" أثناء احتلال الكويت. أجبته بكل تأكيد أن الكويت بحاجة اليوم إلى من يقرع الجرس حيث الأزمة تعدت حدودها وخرجت عن نطاقها، وأن استمرار حالة الركود ليس لصالحنا، وأن لقاءً وطنياً موسعاً، قد يعيد الحياة لنا، ويعيد التوازن للجسم الكويتي. فهناك إجماع على ضرورة اللقاء الوطني لمناقشة الأوضاع العامة، إلا أنه كيف لهذه المجاميع المتناقضة والمختلفة في توجهاتها أن تعي خطورة الوضع، وكيف لها أن تخرج من دائرة مصلحة التنظيم ومصالحها الخاصة، وتنظر في مصلحة الوطن. كنا دائماً نلوم الحكومة وحدها على ما يحدث من تراجع وعلى تهاونها ونحملها المسؤولية، واليوم الحال تغير، حيث أصبح مجلس الأمة المنتخب، يشارك الحكومة في المسؤولية، فهو تراجع عند دوره الذي عهدناه، ولم يعد في مقدوره تقديم أي رؤية وطنية لإخراج البلاد من أزمتها. فالديمقراطية التي رسمت ملامح هذه الدولة الصغيرة خرجت عن مسارها وتحولت إلى أداة تخريب للمشروع الوطني. والأمر بكل تأكيد ليس تشكيكاً في الديمقراطية كنهج، حيث نجحت في نقل دول كثيرة إلى صفوف الدولة المستقرة سياسياً، إلا في الحالة الكويتية، حيث اضطرب الوضع العام، وبدا الجميع يفكرون في طبيعة الأزمة، ويتساءلون: هل الديمقراطية مسؤولة عن حالة التراجع أم العلة أكبر من ذلك؟ أقول لبعض من التقينا معهم أن العلة في القوى السياسية، فهي قوى تورطت في لعبة المصالح، ولم تعد تملك رؤية وطنية وتحول همها لتحقيق مصالحها الخاصة، ولم تعد عابئة بمصلحة الكويت. فكيف لنا، وفي ظل غلبة المصالح الخاصة أن يجمع الجميع على الحد الأدنى، والسؤال ما هو الحد الأدنى الذي من الممكن أن تجمع عليه القوى السياسية؟ الأزمة الكويتية لا يمكن تفكيك رموزها إلا بحل الصراع ونبذ التطاحن، وهو صراع تعددت جوانبه وتشابكت خيوطه، وربما الأهم هو صراع الأقطاب، الذي جمد الحالة العامة، وترك انعكاساته على كافة القوى السياسية، حيث انقسمت بين هذا القطب وذاك، وتحولت الساحة السياسية إلى مشهد للتصفيات الخاصة، ولم يعد هم الوطن هو السائد في المعركة الدائرة، بقدر ما أصبحت كل الطاقات تتوجه نحو معركة كسر العظام وهنا منبع الخطر الذي تعيشه الكويت. الفشل الكبير الذي منينا به، هو أن الديمقراطية لم تعلمنا كيف نحل صراعاتنا واختلافاتنا، وحصرنا كل فهمنا في صناديق الاقتراع، ولم تبالِ كل القوى بنشر قيم الديمقراطية وبمشروع بناء الدولة الوطنية.