الأزمة الاقتصادية هذه المرة جادة وحقيقية وتأثيراتها ضربت في عمق الاقتصاد الحكومي والخاص، بل وفي عمق الوضع المالي لكل فرد على هذه الأرض، ويبدو أن قليلين هم الذين لم يتأثروا بشكل مباشر بهذه الأزمة، وقليلين هم الذين لم يتأثروا بشكل غير مباشر. ففي أزمة كبرى كهذه من الصعب أن لا يتأثر أي فرد يعيش تحت النظام المالي العالمي. بشكل عام فإن من الصعب تبسيط الأزمة الاقتصادية الحالية لأنه من الواضح أن العام 2008 لا يريد أن ينقضي إلا ويسجل أكبر كارثة يشهدها العالم بعد أن كان عاماً عصيباً على الناس في جميع أنحاء العالم بسبب التضخم وزيادة الأسعار التي اجتاحت العالم... وفي الإمارات بالتحديد فإننا ومنذ بداية هذا العام نشهد تطورات وتغيرات اقتصادية مؤثرة جدا على حياة الناس فالارتفاعات الخيالية التي شهدتها الأسعار في مختلف القطاعات أثرت بشكل ملفت على حياة الأسر والأفراد، فابتداء بارتفاع إيجارات المساكن وانتهاء بارتفاع رغيف الخبز، لم تسلم أية سلعة من الارتفاع، وجاءت هذه الأزمة لتتويج الأزمة الاقتصادية التي عاشها الناس طوال العام. لولا تدخل حكومات دول العالم وضخها للمليارات من الدولارات في الأسواق واتخاذها إجراءات لضمان عدم خراب الأسواق، لكان العالم يعيش اليوم على أعتاب كارثة عالمية كبرى، فدولة كالولايات المتحدة الأميركية "زعيمة الرأسمالية في العالم"، قررت بعد شد وجذب بين البيت الأبيض والكونجرس ضخ 700 مليار دولار للحد من الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية ودول الاتحاد الأوروبي اتفقت على ضمان القروض بين المصارف ومساعدة البنوك وضخ السيولة وإعادة شراء الديون التالفة وضمان الودائع، ورصدت ألمانيا لذلك 480 مليار يورو وهولندا 200 مليار يورو وإسبانيا 100 مليار يورو وفرنسا 360 مليار يورو، فيما دعا رئيس الوزراء البريطاني إلى تأسيس نظام مالي عالمي جديد في الإمارات أيضاً تم اتخاذ إجراءات، ولكن الفرق بين هنا وهناك أن الدول الغربية سترمم الاقتصاد المالي المتأثر بأموال دافعي الضرائب، أما عندنا فمازالت الحكومة قادرة على أن تتحمل تأثيرات هذه الأزمة دون اللجوء إلى إجراءات تحمل المواطنين أو المقيمين أعباء إضافية. فقد قامت حكومة الإمارات بإجراءات جادة من أجل حماية الاقتصاد الوطني وضمان عدم تأثره بالأزمة العالمية بدأت بتحويل المصرف المركزي 120 مليار درهم إلى القطاع المصرفي ثم جاء تأكيد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" على متانة الاقتصاد الإماراتي ليطمئن الجميع بأن هناك متابعة واستعدادا لكل ما يحدث في العالم، ومن ثم جاءت موافقة سموه على الخطوات والإجراءات الوقائية الداخلية التي اقرها مجلس الوزراء لضمان استمرارية النمو الاقتصادي وحماية الاقتصاد الوطني.. لتعزز ثقة المستثمرين وتهدئة السوق. ومن هذه الإجراءات أن الحكومة تضمن عدم تعرض أي من المصارف الوطنية لأية مخاطر ائتمانية وضمان الودائع والمدخرات في المصارف الوطنية، إلى جانب توفير ضمانات عمليات الاقتراض فيما بين المصارف العاملة في الدولة وضخ السيولة اللازمة في الجهاز المصرفي في حال تطلب الأمر ذلك. أما من لم يستطع أن يفوت هذه الأزمة دون التشكيك في الاقتصاد الإماراتي وإعلان توقعاته بتأثيرات سلبية مباشرة على الاقتصاد والاستثمارات وعلى المشاريع المحلية فاعتقد أنه تسرع كثيراً وكشف أنه لا يفهم الواقع الاقتصادي الإماراتي المتين والمتماسك والمستعد للأزمات الكبرى. وعلى مر السنين الماضية، شهد العالم والمنطقة أزمات وأوضاعا اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية مختلفة ومتفاوتة التأثيرات والأخطار، لكن الإمارات بفضل سياستها المالية القوية نجحت في التعامل مع كل تلك الأزمات وخرجت منها من دون خسائر أو بأقل قدر من الخسائر... بلا شك أن من يدعي أن اقتصادنا لم يتأثر "أبداً" هو غير صادق أو مجامل، فنحن جزء من هذا الاقتصاد العالمي الكبير، وربما نتأثر به أكثر مما نؤثر فيه وهذا ما يجعلنا نكون واضحين عندما نؤكد أننا تأثرنا لكن مقارنة مع الآخرين وما أصابهم فإننا بألف خير. بما أن العالم بدأ في التفكير في نظام مالي جديد، من المهم أن نفكر في نظام مالي له علاقة مع هذا النظام المالي العالمي الجديد، ولكن له خصوصياته التي تتلاءم واقتصادنا المحلي ومواردنا وثرواتنا والخطط الاستراتيجية للدولة، فأزمة انخفاض سعر الدولار -على سبيل المثال- ليست بعيدة وتأثيراتها كانت واضحة للجميع. كما أن اقتصادنا في المرحلة المقبلة بحاجة إلى شيئين مهمين أولا الشفافية والوضوح ثم الضوابط والرقابة المستمرة فترك الأسواق للتجار والمستثمرين والمضاربين دون وجود قوانين وحساب وعقاب من الطبيعي أن يؤدي إلى مثل هذه الكوارث الكبيرة... فالكل يفكر في الربح السريع ولا يهمه كيف؟ ولا على حساب من؟ أو على حساب ماذا؟ ولا يفكر في عواقب هذا الربح السريع. وينسى أنه في الوقت الذي يكون هناك من يربح بشكل سريع هناك آخرون يخسرون بشكل سريع أيضاً!.. أخيرا لا بد أن نشير إلى أن "مصائب قوم عند قوم فوائد" فربما هناك بعض المستفيدين من هذه الأزمة، قد يأتي من بينهم أصحاب النظام المالي الإسلامي الذين يعتقدون أنهم لم يتأثروا كثيرا بهذه الأزمة وقد بدؤوا في محاولة الاستفادة من هذه الأزمة، لتأكيد أن النظام الذي يعتمدونه هو الأفضل والأكثر ضماناً وحماية للأسواق، ويمكن الاعتماد عليه. كما أن أصحاب الفكر الاشتراكي، ربما ظنواأن هذه الأزمة فرصة لتأكيد أن نظامهم هو الأفضل، وأن نظرياتهم المالية هي التي يمكن أن تخرج العالم من هذه الأزمة، أو على الأقل تحد من تأثيراتها اللامحدودة..