يمكن القول إن انفجار الأزمة المالية العالمية لم يأت بشيء جديد بالنسبة للعالم العربي. وهذا ليس لأن الأزمة في أصلها وفصلها أزمة غربية، وإنما لأن رد الفعل العربي إزاء الأزمة بقي كما كان عليه قبل انفجارها. بعض المسؤولين العرب، وعلى عادتهم أمام المواقف الصعبة، تفاخروا بأنه لا أثر للأزمة على اقتصاداتهم. لم ينتبه هؤلاء إلى أن تأكيدهم على هذه المسألة يعني واحداً من أمرين: إما أنهم يتهربون من مواجهة الحقيقة، أو أن اقتصاداتهم من الضعف والعزلة والتخلف بحيث أن انفجار أزمة بهذا الحجم لا أثر له يذكر على هذه الاقتصادات. وفي كلا الحالتين تكشف عكس ما أرادوه، لأن تلك التصريحات تحمل في طياتها إدانة واضحة لسياساتهم الاقتصادية. منشأ الأزمة كان في الولايات المتحدة، وتحديداً في السياسة المالية التي اتبعتها إدارة بوش الابن، واندفاعها مع فكرة تحرير الأسواق من القوانين والتشريعات التي ينظر إليها على أنها معيقة لحرية رأس المال، وللنمو الاقتصادي. وحسب صحيفة الـ"نيويورك تايمز" الأميركية، وضعت بذور الأزمة في إبريل 2004. وذلك عندما اتخذت لجنة الضمان والتبادل المعنية بمراقبة السوق المالي قراراً باستثناء البنوك الاستثمارية الكبرى، مثل "ليمان بروذرز"، و"المجموعة الأميركية الدولية"، و"غولدمان ساكس"، والسماح لها بتجاوز الحد الائتماني للإقراض. حصل ذلك استجابة لمطالبة البنوك ذاتها، حسب الصحيفة، لتحرير بلايين الدولارات التي جمعتها كأرباح من قروض سابقة. حينها بدت الخطوة وكأنها تحرير لرأس المال من القيود على توسعه في الإقراض والاستثمار. الآن نعرف النتيجة. فالبنوك نفسها التي طالبت بالاستثناء، وحصلت عليه، كانت أولى وأكبر ضحايا الأزمة المالية. وربما لاحظ البعض أن المؤسسات المالية التي تعرضت للانهيار في السوق الأميركي كانت من أكبر المؤسسات المالية فيه، بل ومن أعرقها. فعندما اعترض أحد أعضاء لجنة الضمان والتبادل عام 2004، أثناء مناقشة فكرة منح الاستثناء للمؤسسات المذكورة، رد عليه أحدهم بقوله: "هذه مؤسسات مالية كبيرة"، بمعنى أن حجم موجوداتها المالية سوف تحميها من أية مخاطر قد تنطوي عليها خطوة التوسع في الإقراض، خاصة في السوق العقاري. وكان رد المعترض بما معناه أن حجم هذه المؤسسات هو المصدر الرئيس للمخاوف المرتبطة بإلغاء الحد الائتماني. لأن خطورة تعرضها للمصاعب، أو للانهيار ستكون متناسبة مع حجمها، وأن تأثيرها سيكون خطيراً على السوق بأكمله. وهذا طبعاً ما حصل. المهم أنه رغم المنشأ الأميركي للأزمة، فإن آثارها الخطيرة امتدت لأكبر الاقتصادات العالمية في أوروبا وآسيا. وهذا طبيعي ومتوقع بحكم الترابط بين المؤسسات المالية والاقتصادية في جميع أنحاء العالم تقريباً، فيما يعرف حالياً بالنظام الاقتصادي العالمي. كيف يمكن أن يتأثر اقتصاد مثل الاقتصاد الألماني والبريطاني والفرنسي، بشكل مباشر بل وخطير بتداعيات الأزمة، وتبقى اقتصادات أقل حجماً ومتانة بمنأى عن ذلك التأثير؟ عدم التأثر في هذه الحالة مرتبط بنوعية، وحجم العلاقة مع المؤسسات المالية الأميركية والأوروبية. وهذا ما لا تكشفه المواقف والتصريحات العربية الرسمية عن الموضوع. ما هو تأثير الأزمة على الاقتصادات العربية، وخاصة الخليجية؟ الأخيرة مرتبطة بالنظام الاقتصادي العالمي سواء من خلال الاستثمارات المالية، وخاصة الاستثمارات الخليجية في الأسواق الأميركية أساساً. ثم هناك رابط تصدير النفط إلى الأسواق الأوروبية والأميركية؟ تصريحات وزير المالية السعودي، ومحافظ مؤسسة النقد السعودي (البنك المركزي) مهمة هنا، نظراً لحجم السعودية الاقتصادي في المنطقة. لم يقل الوزير والمحافظ رأياً واضحاً ودقيقاً حول تأثير الأزمة. الأسوأ أنه قبل هذه التصريحات التزم المسؤولون السعوديون، لسبب أو لآخر، الصمت في بداية الأزمة. مرت أسابيع عليها وبقي الصمت مطبقاً. تعرض سوق الأسهم السعودي لتراجعات حادة، ضاعفت من تراجعاته السابقة حتى قبل انفجار الأزمة، والصمت لا يزال مستمراً. وعندما تفاقمت الأزمة عالمياً، واتضح أن السوق أصبح مرتهناً لتداعياتها على الأسواق العالمية، خرج وزير المالية بتصريح اتسم بالعمومية المفرطة. يقول الوزير: "بنينا في السعودية خلال الفترة الماضية احتياطات ووضعنا فوائض لتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية. ولذلك لن تتأثر مشاريع التنمية بالأزمة الحالية". كيف؟ ثم أضاف: "وإيرادات البترول على أي حال ستغطي هذه المشاريع...". تصريحات الوزير، وإن كانت صحيحة، إلا أنها لا تخدم هدف التطمين، لأنها تتحدث عن الفوائض المالية، دون أن توضح إن كانت هذه الفوائض ستتأثر بالأزمة؟ وإلى أي مدى؟ ثم إن حديث الوزير عن إيرادات النفط لم تأخذ في الاعتبار أن الكساد العالمي الذي قد تتركه الأزمة سيؤدي، فيما لو تحقق، إلى انهيار أسعار النفط، ومعها إيراداته. لم يتحقق هدف الوزير في طمأنة المواطن، وطمأنة السوق. فبعد تصريحه استمر تراجع السوق، واستمر الرأي العام يبحث عن تطمينات. لم يرتد السوق السعودي إلا بعد اتفاق الدول السبع على تنسيق مواقفها لمعالجة الأزمة، وإصدار الاتحاد الأوروبي لخطة إنقاذ طموحة، وقبل ذلك خطة الإنقاذ الأميركية، ثم استجابة أسواق المال الأميركية والأوروبية وصعودها لأول مرة منذ بداية الأزمة. بعبارة أخرى، ارتداد السوق السعودي، والأسواق الخليجية لم يحصل إلا استجابة للمؤثرات الخارجية. وهذا مؤشر غير مريح على الإطلاق. واستجابة السوق السعودية للمؤثرات الخارجية أمر طبيعي لأن تصريحات المسؤولين السعوديين، وفي مقدمهم وزير المالية والمحافظ، افتقدت للشفافية، ولم تتفاعل مع الناس أو تستجب لمخاوفهم. كل ما فعلوه هو محاولات تطمين تفتقد لمعلومات دقيقة توضح بشكل مباشر وشفاف طبيعة ومدى تأثير الأزمة على الاقتصاد السعودي. من الأسئلة التي تشغل بال الناس وتبحث عن إجابة: هل هناك استثمارات سعودية، خاصة أو عامة، في البنوك والمؤسسات الاستثمارية، مصدر الأزمة المالية، في أوروبا وأميركا؟ وإذا كانت هناك استثمارات، فماهو حجمها؟ ثم ما حجم التأثير المباشر وغير المباشر للأزمة على السوق السعودية؟ الأرجح أن هناك تأثيرا غير مباشر، والحكومة السعودية غير مسؤولة عن حدوثه، لكنها مسؤولة عن توقعه، والحد من آثاره. أما تصريح المحافظ فلم يخرج عن العمومية أيضاً. حيث أكد على "أن تأثير الأزمة علينا سيكون إذا حدث بشكل غير مباشر، إذ قد تؤثر على صادراتنا"، في إشارة غير مباشرة إلى احتمال الكساد العالمي وأثره على صادرات النفط. وقد انطلق المحافظ في موقفه هذا من أن السياسة الاستثمارية السعودية في الخارج تتسم بالمحافظة، وعدم الاستثمار في المجالات عالية المخاطر. وهذا صحيح، لكنه لا يكفي. فالريال السعودي مرتبط بالدولار، والاقتصاد السعودي يعتمد بشكل أساسي على النفط، وكلاهما عرضة للتأثر بما يحدث للاقتصاد الأميركي، وتأثيره على الأسواق العالمية. وأضاف المحافظ بعد ذلك: "ولكن الأهم أن الأزمة المالية... لم يكن لها تأثير مباشر (ماهو هذا التأثير غير مباشر؟) على البنوك السعودية". واللافت، كما أشارت صحيفة "الوطن" السعودية، أن التحرك الوحيد لمؤسسة النقد كان خفض سعر الفائدة، وخفض الاحتياطي الإلزامي على الودائع في البنوك من 13% إلى 10%. ويرى البعض أن الهدف من ذلك هو تلافي خطر شح السيولة في السوق السعودية. لكن الصحيفة ترى أن السوق السعودية لا تعاني من شح السيولة، وأن تحرك مؤسسة النقد جاء إتباعاً لخفض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لسعر الفائدة، وذلك نتيجة لارتباط الريال بالدولار الأميركي. المطلوب من وزير المالية ومحافظ مؤسسة النقد هو التفاعل مع المجتمع، ومع هواجس المواطن في مثل هذه اللحظات. ومن الطبيعي أن هم المواطن السعودي هو مراقبة أداء الأسواق العالمية لمعرفة ما سيكون عليه وضع سوقه المحلي. مما يؤشر إلى أن الثقة فيما يقوله المسؤولون أصبحت مهزوزة. الموقف السعودي ليس استثناءً في العالم العربي. فانهيار البورصة المصرية لا يبدو كافياً لأن تعلن القاهرة شيئاً عن موقعها في أتون الأزمة. في مقابل ذلك نجد أن الأميركيين والأوروبيين واجهوا منذ اللحظة الأولى الأزمة مباشرة، وبدرجة كبيرة من الشفافية، بل والمسؤولية. لا نعرف إن كانت الخطوات التي تم اتخاذها، خاصة خطتي الإنقاذ الأميركية والأوروبية، ستحقق المطلوب بإخراج النظام المالي من مأزقه الحالي أم لا. المهم أن هناك تفاعلا واضحا مع الأزمة، واستجابة لتحدياتها تتسم بالحيوية والجرأة. المعلومات عن تطورات الأزمة وحجمها تترى بشكل متواصل. الاجتماعات لا تتوقف. المؤسسات التشريعية والتنفيذية تتابع الأزمة أولاً بأول، وتعمل على إيجاد حلول لها بخطوات مالية، وإجراءات تنفيذية، وقوانين تشريعية. الإعلام يعمل وكأنه بالفعل سلطة رابعة، بالتقارير، والتحليلات، والمتابعة الإخبارية المستمرة. لعل المقارنة ليست عادلة. لكن إذا لم تقارن نفسك بمن هو أفضل منك فمع من تكون المقارنة؟ مع من هو أسوأ حالاً؟!