تضاربت الأنباء في الآونة الأخيرة حول قرب توقيع الاتفاق الأمني بين الحكومتين العراقية والأميركية، وبينما صرح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري غير مرة بأن توقيع الاتفاق أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأن الأمر يحتاج إلى "قرارات جريئة"، وهو مصطلح يثير القلق سياسياً، فإن رئيس الوزراء نوري المالكي بدا أكثر توازناً عندما أشار إلى أن تقدماً كبيراً قد حدث في المفاوضات بشأن الاتفاق، لكن بعض المسائل المهمة ما زال دون حل، وربما تأتي على رأسها الحصانة المطلوبة للجنود الأميركيين في العراق. ويستنتج من تصريحات رئيس الوزراء أن توقيع الاتفاق لن يتم إلا بعد التوصل إلى حلول لهذه المسائل المعلقة. لا يبدو المرء في موقع يمكنه من الحكم على هذا الاتفاق، فنحن لا نعرف سوى خطوطه العريضة: انسحاب كامل للقوات الأميركية من العراق مع نهاية2011، يسبقه انسحاب من المدن العراقية في منتصف2009، دون أن نعرف المقابل الذي ستحصل عليه الولايات المتحدة، وكما يقولون فإن الشيطان يكمن في التفاصيل، فنحن لا ندري مثلاً شيئاً عن طبيعة الوجود العسكري الأميركي في العراق بعد الانسحاب، فسوف يكون من حق الحكومة العراقية كحكومة دولة "ذات سيادة" أن تعقد "بإرادتها الحرة" أي اتفاق ينص على إقامة قواعد أميركية على أرض العراق، أو الإبقاء على مستشارين عسكريين أميركيين... إلخ. ولذلك قد يكون من غير المجدي المضي بعيداً في تقييم الاتفاق إلا بعد نشر نصوصه إذا تم توقيعه، وإن كان التذكير واجباً بأن الاتفاق يعقد بين طرفين غير متوازنين: قوة احتلال وحكومة لا ترفض الاحتلال من حيث المبدأ، وبأن البرنامج الزمني للانسحاب قد تأخر سنة كاملة عن المقترح الذي سبق للحكومة العراقية أن وافقت عليه والمقدم من باراك أوباما المرشح "الديمقراطي" لانتخابات الرئاسة الأميركية لدى زيارته للعراق. كما أن تحقيق الانسحاب كان ممكناً قبل ذلك التاريخ لو كانت القوى السياسية العراقية الرافضة للاحتلال قد توحدت خلف برنامج للمقاومة سياسياً وعسكرياً، ولو كانت الدول العربية قد أصرت على رفض الاحتلال وليس التكيُّف معه. أخيراً فإن الانسحاب قد يتقدم من حيث موعده رغماً عن أنف الجميع بسبب موقف الرئاسة الجديدة في الولايات المتحدة إن فاز المرشح "الديمقراطي"، والانهيار المالي الذي تتعرض له الآن. مع ذلك فإن ثمة زاوية مقلقة في هذا الاتفاق لا علاقة لها بالولايات المتحدة ينبغي تسليط الضوء عليها، وهي ما كشفته تطورات محاولات التوصل إلى الاتفاق بخصوص ثقل النفوذ الإيراني في العراق، أو بعبارة أخرى فداحة التأثير الإيراني على القرار العراقي. ومن المعروف أن ذلك النفوذ أو هذا التأثير قد بلغ حداً مقلقاً منذ بداية الاحتلال الأميركي للعراق، فقد أسقط الاحتلال النظام الذي ناصب إيران العداء سنوات طويلة، ودخل معها حرباً دامت ثماني سنوات، ومن ناحية أخرى انتهت تطورات العملية السياسية في العراق في ظل الاحتلال إلى قيام حكومة تسيطر عليها أحزاب كانت معارضة للنظام العراقي السابق نشأ معظمها برعاية طهران، وكان هذا هو الأساس الذي استندت إليه لاحقاً في كافة مظاهر حضورها القوي في عملية صنع القرار العراقي، وكذلك حضورها اللافت في الحياة اليومية لعديد من مدن العراق الجنوبي. وثمة مؤشرات عديدة تؤيد التحليل السابق فيما يتعلق بالاتفاق الأمني مع الإدارة الأميركية، وإذا اكتفينا بالمؤشرات المتاحة للقارئ العادي في الأيام القليلة الماضية لوجدنا مصادر صحفية مطلعة تشير في الثاني من أكتوبر الجاري إلى أن الحكومة العراقية قد حرصت على أن تبعث برسائل إيجابية مطمئنة إلى طهران حول الاتفاق الأمني، فضلاً عن اتهامات واضحة من قبل السفير الأميركي في بغداد رايان كروكر لطهران بأنها تحاول التدخل في المفاوضات الجارية بشأن الاتفاق، لافتاً إلى أنها ترغب في إخفاق هذه المفاوضات، استناداً إلى تصريحات شخصيات سياسية ودينية في طهران. غير أن المؤشر الأقوى على النفوذ أو التأثير أو الحضور الإيراني في عملية صنع القرار العراقي تبدى بوضوح في الزيارة التي قام بها رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني إلى إيران في السابع من أكتوبر الجاري للقاء رئيسها، وكذلك كل من رئيس مجلس الشورى فيها ورئيس السلطة القضائية. تحدث الرجل بكل صراحة ووضوح عن الهدف من زيارته، وهو إطلاع "الإخوة" الإيرانيين على المسودة الأخيرة للاتفاق، ومعرفة رأيهم "قبل" توقيعه، وخصوصاً أن المفاوضات انتهت، وتسلمت الحكومة العراقية مسودة الاتفاق، مضيفاً أن رأي إيران مهم لأن الاتفاق يؤثر على أمنها القومي بقدر ما يفيد الأمن العراقي أو يضر به. لم تنقل التقارير شيئاً على وجه التحديد عن لقاء المشهداني بالرئيس الإيراني، لكن رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني كان صريحاً إلى أبعد الحدود في القول إن الاتفاق: "ستكون تبعاته سلبية على السيادة العراقية وسائر دول المنطقة". كذلك فعل رئيس السلطة القضائية محمود هاشمي شاهرودي الذي أكد أن استمرار الوجود الأميركي ليس في مصلحة الحكومة والشعب العراقيين ودول المنطقة، وأن المسؤولين العراقيين يتعين عليهم العمل في هذا الصدد "بحكمة وفطنة". لست مؤيداً للاتفاق الأمني من حيث المبدأ لأنه -كما سبقت الإشارة- يتم في ظل الاحتلال، ولا يمكن أن يتناقض مع مصالحه، وبالتالي فموقفي من ناحية المضمون يتطابق مع الموقف الإيراني، لكني سقت المؤشرات السابقة كمدخل للمقارنة بين التأثيرين العربي والإيراني فيما يجري في العراق، وإذا كان من الحقيقي أن الاتفاق سوف يؤثر على الأمن الإيراني بما يبرر ضرورة معرفة رأي طهران فيه من وجهة نظر مسؤولين عراقيين فإنه يؤثر بالدرجة نفسها -إن لم يكن بدرجة أكبر- على الأمن العربي، وقد نذكر أن السفير هاني خلاف -الرئيس الحالي لبعثة الجامعة العربية في بغداد- كان قد سبق له أن طالب الحكومة العراقية بدبلوماسية فائقة بأن تعرض مسودة الاتفاق على الجامعة من باب "الأخوة"، لكن الحكومة العراقية لم تفعل، فيما حرصت على تلبية نصيحته وإن غيرت وجهتها إلى إيران. والحقيقة أن هذا الموقف يجد تفسيره الواضح في المقارنة بين الموقفين العربي والإيراني إزاء احتلال العراق، فبينما اتفق الموقفان في "التكيف" مع الاحتلال، اكتفت الدول العربية بهذا فيما أخذت إيران تسعى حثيثاً من خلال التأثير في الانتخابات وتقديم مساعدات والتغلغل البشري، ناهيك عن الأحزاب السياسية العراقية المؤيدة لها إلى بناء قاعدة قوة يعتد بها في العراق، وقد كان لها ما سعت إليه. وبينما اعترفت الدول العربية بالوضع في العراق بعد احتلاله -بدليل قبول ممثل الحكومة التي شكلها مجلس الحكم الانتقالي ممثلاً للعراق في الجامعة العربية في سبتمبر2003- فإنها علقت حضورها الدبلوماسي على توفير الأمن لدبلوماسييها في بغداد فيما لم تغلق السفارة الإيرانية في العاصمة العراقية أبوابها يوماً واحداً، وبينما تقدم إيران المساعدات الإنسانية وغيرها لشعب العراق فإن حضور الدول العربية يبدو ضعيفاً في هذا الصدد مع أنها تملك من الموارد والخبرات ما يسمح لها بحضور قوي. والخلاصة أن ملابسات المفاوضات الخاصة بالاتفاق الأمني الأميركي- العراقي قد كشفت بجلاء قصور الدور العربي، وهو دور يحتاج والأمر كذلك إلى إعادة نظر جذرية خاصة في هذه الشهور التي تبدو حاسمة بالنسبة لمستقبل العراق.