إقامة منظومة دفاعية أوروبية قادرة على تأمين استقلال أكبر للقارة العجوز عن الولايات المتحدة وحضورها العسكري الطاغي دون الإخلال بالتحالف التقليدي والراسخ القائم بين ضفتي الأطلسي شكّلت هدفاً قديماً سعى إلى تحقيقه جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على الجمهورية الفرنسية الخامسة. ولربما كانت فرنسا أكثر من غيرها تدفع في هذا الاتجاه بالنظر إلى تقاليدها الديجولية العريقة التي تجنح إلى مزيد من الاستقلالية عن المظلة الأميركية سواء في السياسة الخارجية، أو القضايا الأمنية. لكن وبرغم الجهود التي بذلها الرؤساء الفرنسيون جميعاً وتعهداتهم بتحقيق اختراقات حقيقية في هذا المجال مقارنة مع من سبقوهم، ظلت النتائج متواضعة وبقيت أوروبا مرتبطة بالتفوق العسكري الأميركي وانتشاره في سائر مناطق العالم تقريباً، حتى اعتادت أوروبا في نهاية المطاف على اعتمادها المريح على الآلة العسكرية الأميركية لردع الأخطار المحتملة وتحمل أعباء الأزمات الأمنية المتفاقمة في عالم شديد الهشاشة. ومن ناحيتها لم تدخر الولايات المتحدة جهداً ومعها في الإطار نفسه الجهود النشطة للبريطانيين، لنسف أي محاولة من قبل الأوروبيين تفطمهم عن الارتباط بالقوة العسكرية الأميركية وهيمنتها. وهكذا فإنه إذا كان بعض التقدم قد تحقق خلال السنوات السابقة في تطوير القدرات العسكرية الأوروبية وضمان استقلالها، إلا أنها لا ترقى إلى حجم الطموحات الفرنسية في هذا المجال. فهل يستطيع الرئيس نيكولا ساركوزي بسياسة التدخل التي انتهجها منذ الوصول إلى السلطة والمشاركة في حل الأزمات العالمية تغيير هذا المعطى؟ فلتحريك المياه الراكدة اتخذ الرئيس الفرنسي قراره المهم بإعادة إدماج فرنسا في القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي بعد أن كانت قد انسحبت منها في عهد الرئيس شارل ديجول بهدف تطمين الأميركيين وحلفائها في أوروبا بشأن النوايا الأوروبية، وبأن الغرض من التوجه الأوروبي نحو بناء نظام دفاعي مستقل ليس طرد الأميركيين من أوروبا، ولإقناعهم أيضاً بأن تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية لا يعني بالضرورة إضعاف الولايات المتحدة ومزاحمتها عالمياً على الريادة العسكرية. والفكرة من هذا التحرك الفرنسي الرامي إلى طمأنة أميركا هي الحصول في المقابل على ضوء أخضر من البلدان الأكثر التصاقاً بالعلاقات الأطلسية لدفع ملف السياسة الأوروبية للأمن الدفاعي التي تصر فرنسا على تأمين إجماع واسع حولها تمهيداً لاعتمادها كسياسة دفاعية رسمية للاتحاد الأوروبي. وقد شكل خطاب ممثلة الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، "فيكتوريا نولو"، خلال شهر فبراير الماضي وإقرارها بضرورة امتلاك الاتحاد الأوروبي لأفضل القدرات العسكرية الممكنة إشارة إيجابية ومشجعة في الوقت نفسه على تحول مهم ومرحب به في الموقف الأميركي. وفي هذا السياق صرحت السيدة "نولو" قائلة "إن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في حاجة معاً إلى اتحاد أوروبي قوي عسكرياً"، وهو موقف مغاير للارتياح الأميركي المعروف من تفوقها العسكري على الاتحاد الأوروبي، رغم دعاواتها الظاهرية للأوروبيين بالمزيد من الانخراط والمشاركة في البؤر الساخنة عالمياً وإرسال قواتها إلى المناطق المضطربة. ويبقى السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت الفرصة سانحة أمام أوروبا لتأكيد حضورها العسكري في ظل التراجع الأميركي الواضح على الصعيد العالمي، بحيث يركز الرئيس ساركوزي جهوده في هذه الفترة التي ترأس فيها بلاده الاتحاد الأوروبي على مراجعة الوثيقة الاستراتيجية الأمنية الأوروبية التي يعود تاريخ صياغتها إلى العام 2003 لتمشل قضايا جديدة بدأت تكتسي أهمية متنامية في السنوات الأخيرة مثل الطاقة والتعامل مع التوتر المتزايد في منطقة البلقان، فضلًا على تعريف أفضل للمصالح الأوروبية على المدى القصير والمتوسط والطويل. ويسعى ساركوزي خصوصاً إلى استحداث هيكل دائم للقيادة وتخطيط العمليات، وهي الخطوة التي تعارضها لندن بشدة خشية الوقوع في فخ الازدواجية بين هياكل حلف شمال الأطلسي الموجودة، والهياكل الجديدة المراد استحداثها، مما قد يؤدي إلى تضارب الاختصاصات. غير أن إقرار مراجعة شاملة للسياسة الأوروبية للأمن والدفاع تقف دونها العديد من العقبات، لعل أهمها الوضع السياسي الداخلي في المملكة المتحدة، والضعف الذي يعاني منه رئيس الوزراء جوردون براون، ما سيحول دون إقرار سياسة أمنية متقدمة للاتحاد الأوروبي مخافة تعرضه لانتقادات شركائه في السلطة، أو المتربصين به في حزب "المحافظين" المشككين أصلاً في الاتحاد الأوروبي. أما العقبة الأخرى، فتتمثل في تغير الموقف الفرنسي ذاته إزاء تعامله مع السياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، فبعدما كانت ترفض في السابق الانضمام إلى قيادة حلف شمال الأطلسي وتكتفي بالمشاركة في العمليات مشترطة مقابل اندماجها الحصول على ضمانات أميركية بدعم السياسة الأوروبية للأمن الدفاعي نجدها اليوم قد اتخذت الخطوة دون تعهدات أميركية ودون شروط مسبقة. والحقيقة أن هذه المرونة الفرنسية بنيت على فرضية أن أميركا لن تتنكر للجميل حتى دون التزام رسمي منها، وبأنها لا شك ستساند السياسة الدفاعية الأوروبية وتقف إلى جانبها، لكن ذلك لم يتحقق بعد لتطغى الشكوك ويسود الترقب. ولا ننسى أيضاً معاهدة لشبونة التي رفضها الأيرلنديون في الاستفتاء الأخير، وما شكله ذلك من تعطيل لعجلة التكامل الأوروبي وبناء مؤسسات فعالة، بحيث من المتوقع أن يؤثر ذلك على جهود ساركوزي في جعل مراجعة السياسة الأمنية الأوروبية تتصدر الأولويات، يُضاف إلى ذلك انشغال القادة الأوروبيين بالقضايا الآنية، التي تؤثر على مشوارهم السياسي وصورتهم لدى الرأي العام الداخلي مثل المشاركة في حرب أفغانستان وسقوط القتلى من الجنود بين الحين والآخر بدل التركيز على القضايا الاستراتيجية بعيدة المدى. وأخيراً تأتي الأزمة الاقتصادية والمالية التي تجتاح العالم والاتحاد الأوروبي، لتلقي بظلالها على موازنات الدفاع وتعيد ترتيب الأولويات بإعطاء الأسبقية لإنقاذ المؤسسات المالية المنهارة، من دون إغفال المجهول الكبير والمتمثل في موقف الرئيس الأميركي القادم من سياسة الدفاع الأوروبية ومدى انخراطه في الرؤية الأوروبية، ومدى تفهمه لمستقبل الأمن في القارة العجوز ولدور أوروبا العسكري على الصعيد العالمي.