شهدت الأسابيع القليلة الماضية موجة من التشاؤم الغربي إزاء الوضع في أفغانستان. وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، بدأ القادة العسكريون والسياسيون الغربيون على حد سواء، التحذير من حقيقة أن الحرب الأفغانية لا تزال أبعد من أن ينتزع الغرب فيها نصراً عسكرياً، بل لم يعد مستبعداً أن يخسرها. وأياً يكن الرئيس الأميركي الجديد الذي سوف يجري انتخابه في شهر نوفمبر المقبل -سواء كان باراك أوباما أم جون ماكين- فسوف يتعين عليه مواجهة هذا الوضع الأفغاني المتردي، بتوفير المزيد من المخصصات المالية ونشر عدد أكبر من الجنود هناك. غير أن الاستنزاف الذي تعرضت له قدرات الجيش الأميركي سلفاً، مقترناً بتعمق أزمة اقتصادات الدول الغربية، يجعلان من كلا المطلبين -الجنود والمال- أمراً يصعب تحقيقه بسبب ندرة الموارد والجنود. ولعل الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه الحرب، هو أنها لم تعد قاصرة على أفغانستان وحدها، إنما اتسعت دائرتها لتشمل باكستان أيضاً. وبالنتيجة فهي تدور الآن على جانبي حدود كلتا الدولتين الجارتين. ويستوجب هذا التطور الخطير، البحث عن استراتيجية جديدة لا تستهدف إحراز نصر حاسم مثلما كانت عليه الاستراتيجية المعمول بها حالياً، وإنما التوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع، تشمل حركة "طالبان" وغيرها من القوى الإقليمية ذات المصلحة، مثل باكستان والهند وإيران. والمؤسف أنه لم يدع إلى تبني استراتيجية كهذه، أي من المرشحين الرئاسيين الأميركيين حتى الآن. بل على العكس تماماً، أعلن كلاهما التزامه بإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان في حال فوزه بالمنصب الرئاسي، حرصاً منهما على إظهار ما يلزم من عزم وقوة في مواجهة تردي الأوضاع. والملاحظ أنهما قطعا هذا العهد وهما يخاطبان قواعد ناخبة تجهل كثيراً حقيقة وتعقيدات الوضع الأفغاني. بل أعلن أوباما أنه لن يتردد مطلقاً في أن يأمر بتوجيه ضربات جوية في بعض المواقع في باكستان، بهدف إلقاء القبض على أسامة بن لادن أو قتله، دون الحصول على موافقة السلطات الباكستانية! ولكن المشكلة أن الضربات الجوية الأميركية التي جرى تنفيذها حتى الآن عبر الحدود الأفغانية- الباكستانية، ألهبت مشاعر الغضب الباكستاني من الولايات المتحدة الأميركية والحكومة الباكستانية المتحالفة معها سلفاً، بسبب ارتفاع عدد ضحاياها وقتلاها من المدنيين الباكستانيين، إضافة إلى رؤية الكثيرين لها على أنها تمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية. علينا إذاً أن نثير السؤال: ما الخطأ في الحرب الأفغانية هذه؟ وفي الإجابة يمكن القول إن الخطأ الرئيسي وربما الوحيد الذي ارتكبته الإدارة الأميركية في هذه الحرب، هو نقل جهودها الحربية من أفغانستان إلى العراق بغزوه في عام 2003. حدث ذلك برغم عدم توفر أي أدلة لوجود صلات بين نظام صدام حسين وتنظيم "القاعدة"، ما ينفي وجود أي صلة لذلك النظام بتدبير أو تنفيذ هجمات 11 سبتمبر التي شنها التننظيم على الولايات المتحدة في عام 2001. وبالنتيجة فقد أهملت أفغانستان، في الوقت الذي انشغلت فيه الولايات المتحدة بضخ الأموال الطائلة وزيادة عدد جنودها في العراق. وأشارت دراسة صادرة حديثاً عن "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" بواشنطن، إلى أن متوسط تكلفة الحرب العراقية، يعادل خمسة أمثال متوسط الإنفاق الأميركي على الحرب الأفغانية تقريباً. ووفقاً للدراسة المشار إليها، قدر متوسط الإنفاق على الحرب الأفغانية خلال السنوات الثمانية الممتدة من عام 2001 إلى 2009 بأقل من حوالي 171 مليار دولار، في حين التهمت الحرب العراقية خلال السنوات الست الممتدة من عام 2003-2009 ما يزيد على 653 ملياراً من الدولارات. بعبارة أخرى، فعلى رغم مطالب القادة العسكريين الميدانيين في أفغانستان، بزيادة حجم التمويل وكذلك عدد القوات المنتشرة هناك، تباطأت واشنطن في الانتباه إلى حقيقة وجدية متطلبات زيادة الإنفاق المالي والجهد العسكري في أفغانستان. ولم تبد واشنطن جدية في الاستجابة لتلك المتطلبات إلا مؤخراً، بعد أن تكشفت لها خطورة تدهور الأوضاع هناك. ومن مظاهر ذلك الإبطاء والإهمال من جانب واشنطن، لم يعلن الجنرال مايك مولن، رئيس الأركان المشتركة الأميركية، إلا في العاشر من سبتمبر الماضي فحسب -أي بعد 7 سنوات من الغزو الأميركي لأفغانستان- عن خطة ترمي إلى توسيع الجيش الأفغاني وزيادة عدد مقاتليه من 85 ألف جندي، إلى حوالي 162 ألفاً بحلول عام 2010. جاء ذلك الإعلان خلال الإفادة التي قدمها للجنة الخدمات العسكرية التابعة لمجلس النواب الأميركي في العاشر من سبتمبر المنصرم. غير أن الجنرال مولن حذر خلال الإفادة نفسها من أن الوسائل العسكرية وحدها لم تعد كافية لإحراز النصر هناك. وعلى حد قوله فإن أفغانستان لم تعد بحاجة إلى نشر المزيد من الجنود على الارض فحسب، وإنما لا بد من زيادة حجم الاستثمار الأجنبي فيها، لا سيما في إيجاد محصول زراعي نقدي بديل للمخدرات. ويتطلب تحقيق النصر كذلك إقامة الحكم الرشيد و واحترام سيادة القانون وغيرهما من متطلبات سياسية اقتصادية قانونية، لن يكون في وسع أي جيش من جيوش العالم مهما بلغت قوته الوفاء بها منفرداً. وربما كان من بين الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الغرب في هذه الحرب، عدم الانتباه إلى حقيقة أن "القاعدة" فكرة قبل أن يكون تنظيماً. ولهذا فإن قتل زعيمه أسامة بن لادن، ربما يفاقم الخطر الذي يشكله التنظيم على الغرب، أكثر من أن يقلل منه أو يصده. وربما آن للغرب أن يعترف بأنه ليس في مقدور العمل العسكري وحده أن يهزم التطرف الإسلامي. بل الواجب أن يتصدى الغرب للمظالم التي تغذي مشاعر التطرف هذه وتعززها: النزاعات التي لم تسو بعد في إقليم كشمير وفلسطين، الغزو الأميركي للعراق، وما خلفه من دمار وضحايا كثر في أوساط المدنيين، إلى جانب كثافة الوجود العسكري الأميركي في بلدان منطقة الخليج والعالم الإسلامي عامة. فهذه هي من أهم العوامل المساعدة على استقطاب المزيد من المقاتلين إلى صفوف الحرب على الغرب. ففي أفغانستان على سبيل المثال، تحولت الحملة العسكرية التي يشنها الغرب على أسامة بن لادن وحلقة أتباعه ومؤيديه، إلى حرب حدودية تشمل كلاً من أفغانستان وباكستان. وبالنتيجة تحولت تلك الحرب إلى مواجهة مع قبائل البشتون المعروفة بكراهيتها للأجانب، مع العلم أنها تشكل نحو 40 في المئة من إجمالي السكان الأفغان، وأنها تسيطر على الشريط الحدودي المشترك بين أفغانستان وباكستان. وعلى الولايات المتحدة وحلف "الناتو" أن يدركا أنهما يخوضان حرباً قبلية، لا سبيل لإحراز نصر عسكري فيها، مهما بلغ جبروت جيوشهما. وبدلاً من أن تسهم الجهود العسكرية المبذولة في تحسين الوضع الأمني، فقد تردى هذا الوضع إلى أسوأ حالاته على نحو منتظم طوال السنوات الخمس الماضية، ليبلغ السوء ذروته في الثلاثين من سبتمبر المنصرم، على حد اعتراف الجنرال ديفيد ماكيرنان، قائد قوات حلف "الناتو" في أفغانستان مؤخراً. وهذه هي التركة التي سيرثها الرئيس الأميركي المقبل. وإن كان ثمة بصيص أمل وحيد في هذا النفق المظلم ، فيتمثل في المحادثات التي جرت خلال الفترة 24-27 سبتمبر المنصرم، بين مسؤولين حكوميين أفغان وممثلين لحركة "طالبان" في المملكة العربية السعودية. وفي الرابع من أكتوبر الحالي، نقل عن وزير الدفاع الأفغاني، عبد الرحيم ورداك، قوله: "لقد تطلب حل النزاع، التوصل إلى تسوية سياسية مع طالبان”.