مقتدى الصدر.. شاب صغير السن، قليل الخبرة، ضحل المعرفة في أمور السياسة، وضئيل التجربة في مجال الفقه الشيعي قياسا إلى مشايخ ورجال الدين من الطائفة الشيعية.. ومع ذلك وجد نفسه فجأة في خضم الأحداث وفي "بوز المدفع" كما يقولون.
ولكن الصدر لم يكن مدفوعا بفكر سياسي أو باستراتيجية تتعامل مع الأحداث الجسام بتروٍّ ووعي وإدراك وفهم عميق للواقع وللمعطيات.. بل كان ولا يزال مدفوعا بشعارات الغوغاء وبالصراخ والزعيق الذي اعتدنا عليه نحن العرب منذ آلاف السنين في تعاملنا مع كل الأحداث.. وهو إلى جانب ذلك مدفوع أيضا بحب الظهور ورغبة التعطش إلى السلطة والسيطرة وبسط النفوذ، فأخذته العزة بالإثم، وجمع مقاتليه الذين سمحت له قوات التحالف نفسها بجمعهم تحت لوائه، وأراد أن يشعلها حربا أهلية لا تبقي ولا تذر.
مقتدى الصدر ظن أنه قادر على تحريك الشارع العراقي، وتجييش الشعب وطرد قوات التحالف من العراق ومن ثم الجلوس على سدة الحكم في بلد معقد التركيب.. كل ذلك لوحده!.. وهذا ليس عيبا في الصدر، فكل السياسيين أو رجال الدين المسيسين من عديمي الخبرة والتجربة في الاجتهاد الفقهي والسياسي من أمثاله، يمرون بمثل هذه التجربة.
ولكن الصدر نسي أنه بما فعله في النجف وكربلاء، وبمساهمته في تحريك المياه الراكدة في الفلوجة، على الرغم من اختلاف التوجهات المذهبية، إنما خاطر بخدمة أهداف قوات التحالف وعرقلة مصالح الشعب العراقي. فهو تصور أن رجال "ميليشيا المهدي" قد يخيفون الجيش الأميركي، وأن خسارة قوات التحالف لبعض الجنود هنا أو هناك ستجبر أكثر من ربع مليون جندي بكامل عتادهم وأسلحتهم الثقيلة على التخلي عن كل الأسباب التي دفعتهم للتواجد في العراق والانسحاب الفوري.. وتصور الصدر أنه عند تحقيق ذلك (كذا) ستخلو له الساحة ليكون الرجل الأول والأقوى والآمر الناهي وسيد القوم في العراق!
ونحن نريد أن نذكر "الإمام" الصغير بعدة أمور منها: أولا أنه الآن "يتبختر" بالزعامة السياسية والدينية في العراق بفضل وجود القوات الأميركية هناك.. وثانيا أنه لولا تخليص قوات التحالف العراق والشيعة على وجه الخصوص من براثن صدام وعصابة البعث التي عاثت في أرضهم خرابا ودمارا، لما تجرأ هو ومن معه على الخروج كل يوم جمعة بخطبة نارية من فوق المنابر، ويرتدي "الكفن" في استعراض مكشوف ثم يوزع بياناته في كل ركن من أركان المنطقة التي تحكم فيها ميليشياته.. وثالثا، يجب على "الصدر الصغير" أن يدرك أنه لولا القوات الأميركية لما استطاع أن يجمع جيشا قوامه مئة ألف من رجال الميليشيا ويطلق عليه "جيش المهدي"، يسيطر بهم على كربلاء والنجف ويحركون الضغينة في البصرة وبقية المدن العراقية.
نريد أن نذكر "الإمام الصغير" أن عضلاته المفتولة اليوم ولسانه الذي طال كل الزعامات السياسية والدينية في العراق، و"عنطزته" المغلفة بغرور فارغ، كانت في سبات عميق أيام صدام حسين ومافيا البعث.. فما الذي فعله "الصدر الصغير" عندما قتلت مخابرات البعثيين وزبانية صدام والده وشقيقه؟.. أين كانت التصريحات الخطب النارية والشعارات الجوفاء التي يطلقها اليوم وهو يعلم علم اليقين مدى خطورتها على العراقيين؟..
إن قيام الباحث عن الزعامة و"الإمامة"، الشاب عديم الخبرة، مقتدى الصدر بتحريك ميليشياته ضد قوات التحالف، إنما يهدف إلى إشاعة الفوضى وتأخير وعرقلة تسليم شؤون العراق إلى سلطة وطنية متفق عليها.